كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

الأواخر من تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» (¬1).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث رد على من قال إن ليلة القدر كانت في العشر الأواخر في عهده - صلى الله عليه وسلم - فقط, أما بعد موته فتُلتمس في جميع الشهر؛ لأن أبا بَكْرَة - رضي الله عنه - فهم أنها لا تُلتَمَس إلا في العشر الأواخر في حياته وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -.
الدليل الخامس: عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرى رؤياكم قد تَوَاطَأَتْ (¬2) في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» (¬3).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث رَدّ على من قيَّدها بليلة الحادي والعشرين دون غيرها من ليالي العشر الأخيرة؛ لأن ليلة الحادي والعشرين ليست من السبع الأواخر يقينا.
وتَقييدُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث- بالسبع الأواخر مع أنه قد جاء الحَثّ على تحريها في العشر الأواخر، وفي الأوتار منها، المقصود منه: تَحرّيها في ذلك العام بخصوصه، والدليل قوله: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر»، فعَيَّن لهم تَحرّيها في السبع الأواخر؛ لمّا اجتمعت رؤاهم تلك السَنة عليها.
قال ابن عبد البر: "والأغلب من قوله: «في السبع الأواخر» أنه في ذلك العام والله أعلم؛ لئلا يتضاد مع قوله: «في العشر الأواخر» ويكون قَوْلُه (¬4)، وقد مضى مِن الشهر ما يوجِب قَولَ ذلك" (¬5).
¬_________
(¬1) رواه أحمد 34/ 44 رقم 20404, واللفظ له, والنسائي في الكبرى 3/ 400 رقم 3389, في الاعتكاف، التماس ليلة القدر لثلاث يبقين من الشهر, وابن حبان في صحيحه 8/ 442 رقم 3686, وقال شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح", ووافقه الألباني في صحيح الجامع 1/ 268 رقم 1243.
(¬2) تواطأت, أي: توافقت، كأنَّ كلّا منهم وطئ ما وطئه الآخر. ينظر: مشارق الأنوار 2/ 285، النهاية 5/ 202.
(¬3) رواه البخاري 3/ 46 رقم 2015, في فضل ليلة القدر باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر, ومسلم 2/ 822 رقم 1165, في الصيام باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها.
(¬4) أي: قَوْلُه الذي ذُكِر، قد قاله وقد مضى مِن الشهر ...
(¬5) الاستذكار 3/ 409، وينظر: التوضيح لابن الملقن 13/ 595.

الصفحة 612