كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

ونقل ذلك عن: الإمام مالك (¬1).
سبب الخلاف: اختلافهم في اعتكافه - صلى الله عليه وسلم -: هل يدُلّ على أنه سنة مستحبة لمن بعده، أو يَدلّ على مطلق الجواز؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يسن الاعتكاف, وهو آكد في العشر الأواخر من رمضان.
الدليل الأول: قوله سبحانه وتعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (¬2). وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (¬3).
وجه الاستدلال: أن إضافة الاعتكاف إلى المساجد التي هي الأماكن المختصة بالقُرَب، وترك ما يباح للمرء مِن الجِماع من أجل القيام به؛ دليل على أن هذا الفعل قُرْبة مستحبة (¬4).
الدليل الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (¬5).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن الاعتكاف سنة، ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، وأزواجه من بعده (¬6).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوما» (¬7).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الاعتكاف في رمضان من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - , وقد أُكِّد فعله - صلى الله عليه وسلم - بلفظة (كان) التي تفيد الاستمرار. فينبغي للمؤمنين الاقتداء بسنة نبيهم في ذلك، وقد قال ابن شهاب الزهري: «عجبا للمسلمين تركوا
¬_________
(¬1) النوادر والزيادات 2/ 89 , بداية المجتهد 2/ 76، الذخيرة 2/ 542, مواهب الجليل 2/ 454.
(¬2) سورة البقرة: آية: 125.
(¬3) سورة البقرة: آية: 187.
(¬4) ينظر: المبسوط للسرخسي 3/ 114، وشرح العمدة كتاب الصيام 2/ 709، مراقي الفلاح ص 268.
(¬5) رواه البخاري 3/ 47 رقم 2026, كتاب الاعتكاف, باب الاعتكاف في العشر الأواخر، ومسلم 2/ 831 رقم 1172, كتاب الاعتكاف, باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
(¬6) ينظر: سبل السلام 1/ 593، إحكام الأحكام 2/ 41، الاستذكار 3/ 405، نيل الأوطار 4/ 313.
(¬7) رواه البخاري 3/ 51 رقم 2044, كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان.

الصفحة 623