كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره الدخول في الاعتكاف مخافة أن لا يوفي شرطه.
الدليل الأول: ترك السلف الاعتكاف دليل على أنه ليس من القرب المرغب فيها.
قال الإمام مالك: "ولم يبلغني أن أحدا من السلف اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (¬1)، وليس بحرام، ولا أراهم تركوه إلا لشدته عليهم؛ لأن ليله ونهاره سواء" (¬2).
الدليل الثاني: أنه من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - , أي: كونه قربة, أما في حق غيره فمكروه مثل الوصال.
قال الإمام مالك: "ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قبضه الله سبحانه، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقيل له: إنك تواصل، فقال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (¬3). وليس الاعتكاف بحرام" (¬4).
الدليل الثالث: أن الإمام مالك منع الاعتكاف لأنه يرى أن قراءة العلم وتعليمه قربة لا تعدلها قربة، والمعتكف عنده ممنوع من قراءة العلم وتعليمه (¬5).
قال ابن عبد البر: "قال مالك لا يشتمل المعتكف في مجالس أهل العلم ولا يكتب العلم" (¬6)؛ لأنه من أسباب الدنيا، ولا يجوز له عند الإمام مالك أن يعمل من الدنيا إلا ضرورة الآدمية، وهي: الطعام، والشراب، ومآله. وقصر الاعتكاف على الذكر المجرد: كالصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى (¬7).
¬_________
(¬1) هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، القرشي المخزومي المدني, كان أحد الفقهاء السبعة، وكان ثقة فقيها عالما شيخا كثير الحديث, روى عن: أبيه, وأبي هريرة, وعائشة, وغيرهم رضي الله عنهم. وعنه: أولاده, والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن, والزهري, وغيرهم, توفي سنة 94 هـ وقيل غير ذلك. ينظر: الطبقات 5/ 207, سير أعلام النبلاء 4/ 416, تهذيب التهذيب 12/ 30.
(¬2) التهذيب في اختصار المدونة 1/ 389، جامع الأمهات ص: 180، الذخيرة 2/ 541.
(¬3) سبق تخريجه صفحة (308).
(¬4) النوادر والزيادات 2/ 89، التوضيح لخليل 2/ 462، الدر الثمين ص: 490.
(¬5) ينظر: التلقين 1/ 76.
(¬6) الاستذكار 3/ 392.
(¬7) ينظر: المسالك 4/ 255، القبس 1/ 531 - 532.

الصفحة 625