كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

أَمكُث إلا لأعتكف» (¬1).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن أقله يوم وليلة.
الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجِعِرَّانة (¬2)، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: «اذهب فاعتكف يوما» (¬3).
وفي رواية: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوف نذرك» , فاعتَكَفَ ليلة (¬4).
وجه الاستدلال: أن أصل هذا الحديث أن عمر - رضي الله عنه - قال: "إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية"، فنَقَل بعض الرُواة ذِكر الليلة وحدها، ونَقَل بعضهم ذِكر اليوم وحده، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمِع (¬5).
ولما كان الاعتكاف اسما لغويا شرعيا، وجاء الشرع في حديث عمر - رضي الله عنه - بتقدير يوم وليلة؛ كان ذلك هو أقلّه (¬6).
الدليل الثاني: ولأن الصوم يُشتَرَط مع الاعتكاف، والصوم لا يكون إلا في يوم كامل؛ فكذلك الاعتكاف لا يكون إلا في يوم كامل.
قال الباجي: "والدليل على ما نقوله: أن هذه عبادة مِن شرطها الصوم، وقد أجمعنا على أن الصوم لا يَتبعَّض ولا يكون أقل من يوم كامل؛ فوجب أن يكون أقل مدتها ما يصح فيه الصوم، وذلك يوم" (¬7).
¬_________
(¬1) رواه عبد الرزاق في المصنف 4/ 345 رقم 8006, كتاب الاعتكاف, باب الجوار والاعتكاف.
(¬2) الجِعِرَّانة: في ضبطها روايتان: بكسر العين وتشديد الراء، وبسكنون العين وتخفيف الراء, وهي: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين, وأحرم منها. ينظر: معجم البلدان ص/142, المعالم الأثيرة ص/90.
(¬3) رواه مسلم 3/ 1277 رقم 1656, كتاب الأيمان باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم.
(¬4) سبق تخريجه صفحة (629).
(¬5) ينظر: شرح البخاري لابن بطال 4/ 180، والتوضيح 13/ 629, وعمدة القاري 11/ 141.
(¬6) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 135.
(¬7) المنتقى 2/ 81.

الصفحة 639