كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

وقوله سبحانه وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} (¬1).
وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} (¬2).
وجه الاستدلال من الآيات: في هذه الآيات دليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة (¬3).
والنَذر من الأعمال الصالحة التي يُبتَغى بها وجه الله والدار الآخرة، والكافر ليس من الذين يبتغون بعملهم ذلك، فكان وجودُه منه كعدمه.
الدليل الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (¬4).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغِي به وجه الله عز وجل» (¬5).
وفي رواية: «إنما النذر ما ابتُغِيَ به وجه الله عز وجل» (¬6).
وجه الاستدلال من الحديثين: من المعلوم أن النذور إنما تجب إذا كانت مما يُتقَرَّب به إلى الله سبحانه وتعالى , ولا تجب إذا كانت معاصي لله عز وجل. والكافر إذا قال: لله علي اعتكاف, ثم أوفى بنذره بعد إسلامه، لم يكن به متقربا إلى الله؛ لأنه في الوقت الذي أوجبه فيه على نفسه إنما قَصَد به أن يَنذُر لربه الذي يَعبده من دون الله. ولا شكّ أن ذلك معصية. فدخل ذلك في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما النذر ما ابتُغِي به وجه الله عز وجل» (¬7).
¬_________
(¬1) سورة الفرقان: آية: 23.
(¬2) سورة الإسراء: آية: 19.
(¬3) ينظر: أضواء البيان 3/ 81.
(¬4) رواه البخاري 8/ 142 رقم 6696, في الأيمان والنذور, باب النذر في الطاعة.
(¬5) رواه أحمد 11/ 344 رقم 6732، واللفظ له, وأبو داود 3/ 228 رقم 3273, كتاب الأيمان والنذور, باب اليمين في قطيعة الرحم, وقال الألباني في صحيح أبي داود 6/ 395: "حسن".
(¬6) رواه أحمد 11/ 324 رقم 6714, والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 115 رقم 20049, كتاب الأيمان, باب من جعل شيئا من ماله صدقة, وقال الألباني في السلسلة الصحيحة 6/ 857 رقم 2859: "وهذا سند حسن".
(¬7) ينظر: شرح معاني الآثار 3/ 134.

الصفحة 650