كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف
ونقله، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فعُلم أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف (¬1).
الدليل الثالث: عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذا»؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «آلبر أردن بهذا؟ ! ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (¬2).
وجه الاستدلال: أنه لو كان اعتكافهن - رضي الله عنهن - في غير المسجد العام ممكنا؛ لاستغنين بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد, كما استغنين بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المسجد، ولأمرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
قال ابن حجر: "وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت, فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع, ولاكتُفِي لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن" (¬3).
الدليل الرابع: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن امرأة جعلت عليها (أي نذرت) أن تعتكف في مسجد بيتها، فقال: «بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع» (¬4).
وجه الاستدلال: أن الصحابي إذا قال عن فعل ما أنه بدعة؛ عُلِم أنه غير مشروع؛ كما أنه إذا قال: إنه سُنَّة؛ عُلِم أنه مشروع (¬5).
أدلة القول الثاني: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الأفضل, ويكره في المساجد.
¬_________
(¬1) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 2/ 743.
(¬2) سبق تخريجه صفحة (657).
(¬3) فتح الباري 4/ 277، وينظر: المغني 3/ 191، شرح مسلم للنووي 8/ 68.
(¬4) أخرجه حرب الكرماني ذكره عنه ابن تيمية في كتاب الصيام شرح عمدة الفقه 2/ 744, وابن رجب في فتح الباري 3/ 170, وغيرهما. قال صاحب الفروع 5/ 141: "بسند جيد". وهو عند البيهقي السنن الكبرى 4/ 519 رقم 8573, في باب الاعتكاف في المسجد, بلفظ: ((إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور)).
(¬5) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام 2/ 744.