كتاب الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام, ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - , ومسجد بيت المقدس» , قال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا, وأخطأت وأصابوا (¬1).
وفي رواية: جاء حذيفة إلى عبد الله رضي الله عنه فقال: «ألا أعجبك من قومك عُكوفٌ بين دارك ودار الأَشْعَري» يعني: المسجد؟ . قال عبد الله: «ولعلهم أصابوا وأخطأتَ» , فقال حذيفة: «وما أُبَالي أَعْتَكِف فيه أو في سوقِكم هذه» (¬2).
وفي رواية: «وكان الذين اعتكفوا, فعاب عليهم حذيفة في مسجد الكُوفة (¬3) الأكبر» (¬4).
وجه الاستدلال: أن حذيفة ¢ أنكر على من اعتكف في غير المساجد الثلاثة، ونسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الاعتكاف لا يصح إلا فيها. وجعل الاعتكاف في سوى المساجد الثلاثة مساويا للاعتكاف في السوق.
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن الاعتكاف جائز في المساجد الثلاثة وفي غيرها من المساجد؛ وذلك لصحة ما استدل به أصحاب هذا القول؛ ولأن الآية جاءت عامة ولم تخصص مسجدا من غيره.
وأما الجواب عن حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»، فيكون بأربعة أجوبة:
الجواب الأول: أن قول ابن مسعود لحذيفة - رضي الله عنهما - عندما استدل بالحديث -إن ثبت رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعلك نسيتَ وحَفِظوا, وأَخطأتَ وأصابوا»، يدل على أن ما ذكره حذيفة ¢ كان ابن مسعود ¢ يعلمه؛ لكنه قد نُسِخ.
¬_________
(¬1) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار 7/ 201 رقم 2771، بيان مشكل ما روي عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المساجد التي لا يجوز الاعتكاف إلا فيها, والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 519 رقم 8574, كتاب الصيام, باب الاعتكاف في المسجد, وقال الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 2786: "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين".
(¬2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 2/ 337 رقم 9669، كتاب الصيام، من قال: لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه.
(¬3) الكُوفَة: هي: المصر المشهور بأرض بابل من أرض العراق، سمّيت الكوفة لاستدارتها أو لاجتماع الناس بها، وقيل غير ذلك. أَسَّسها سعد بن أبي وقاص سنة 17 للهجرة. ينظر: مراصد الاطلاع 3/ 1187، معجم البلدان 4/ 491، معجم المعالم الجغرافية ص 267.
(¬4) رواه عبد الرزاق في المصنف 4/ 347 رقم 8014, كتاب الاعتكاف, باب لا جوار إلا في مسجد جماعة, والطبراني في المعجم الكبير 9/ 301 رقم 9510.

الصفحة 673