كتاب العلل لابن أبي حاتم ت الحميد (اسم الجزء: 2)

عَنْ شَرِيك (١) ، عَنْ بَيَانٍ (٢) ، عَنْ قَيْسٍ (٣) ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَة، عن النبيِّ (ص) أَنَّهُ قَالَ: أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (٤) : وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانة (٥) ، عَنْ طَارِقٍ (٦) ، عَنْ قَيْسٍ؛ قَالَ: سمعتُ عمر ابن الخطَّاب - قولَهُ -: أَبْرِدوا بالصَّلاة؟
قَالَ أَبِي: أخافُ أَنْ يكونَ هَذَا الحديثُ يَدْفَعُ (٧) ذَاكَ الحديثَ.
قلتُ: فأيُّهما (٨) أشبَهُ؟
قَالَ: كَأَنَّهُ هَذَا. يَعْنِي: حديثَ عُمَرَ.
قَالَ أَبِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَوْ كَانَ عِنْدَ قَيْسٍ: عَنِ الْمُغِيرَةِ، عن النبيِّ (ص) ، لم يَحْتَاجَ أَنْ يَفتَقِرَ إِلَى أَنْ يحدِّث عن عُمر موقوفً (٩) .
---------------
(١) هو: ابن عبد الله النخعي.
(٢) هو: ابن بشر.
(٣) هو: ابن أبي حازم.
(٤) في "البدر المنير": «فقال» بدل: «قال أبو محمد» .
(٥) هو: وضَّاح بن عبد الله. وروايته أخرجها البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/١٣٣) .
(٦) هو: ابن عبد الرحمن.
(٧) في (أ) و (ش) و (ف) : «يرفع» .
(٨) في (ف) : «أيهما» بلا فاء.
(٩) كذا بحذف ألف التنوين من الاسم المنصوب على لغة ربيعة، وقد تقدم التعليق عليها في المسألة رقم (٣٤) .
وقوله: «لم يَحْتَاجَ» مطموسٌ في (ش) ، ولو جاء على لغة الجمهور لقال: «لم يَحْتَجْ» ، لكن ما وقع في النسخ صحيحٌ في العربية، وإما أن يكون بفتح الجيم أو بضمها:
أما الفتح «لم يَحْتَاجَ» : فله ثلاثة أوجه:
الأول: جريانه على لغةِ مَنْ ينصب الفعل المضارع بـ «لم» ، حملاً على «لن» عكس المعروف عند الناس؛ فقد حكى اللِّحْيَاني في "نوادره" أنَّ من العرب من ينصب بـ «لَمْ» ، ويجزم بـ «لَنْ» ؛ وعلى هذه اللغة اختار أبو حيان تخريج قراءة أبي جعفر المنصور في: [الشَّرح: ١] {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *} بفتح الحاء {نشرحَ} ، ومثلها قول الحارث بن المنذر الجَرْمي [من الرجز] :
في أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرّ ْ
أَيَوْمَ لم يُقْدَرَ أَوْ يَوْمَ قُدِرْ؟!
بفتح الراء في «يُقْدَرَ» بعد «لم» ، ونقله عنه السمين في "الدر المصون" وابن عادل في "اللباب"، ولم يتعقَّباه بشيء، وذكروا لذلك شواهد من الشعر.
والثاني: أنَّ الأصل: «لم يحتاجَنْ» بنون التوكيد الخفيفة؛ فأبدل من النون ألفًا: «لم يحتاجًا» ، ثم حذف نون التوكيد تخفيفًا لمَّا كان حذفها لا يُخِلُّ بالمعنى، وكانت الفتحة التي في الحرف قبلها دالَّةً عليها. وقد علَّقنا على حذف نون التوكيد الخفيفة في المسألة رقم (٣٢) .
والثالث: أنَّ فتح الجيم في «يحتاجَ» لمجاورة الفتحة التي بعدها في «أنْ» ، وهذا كالكسر في قراءة «الحَمْدِ لِلَّهِ» بالجر، وللمجاورة تأثيراتٌ كثيرة. انظر التعليق على المسألة رقم (٥٤ - الوجه الثالث) .
وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها المفسِّرون في إعراب قراءة أبي جعفر لقوله تعالى: [الشَّرح: ١] {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ *} ، بفتح الحاء من «نشرح» .
انظر: "البحر المحيط" (٨/٤٨٣- ٤٨٤) ، و"الدر المصون" (١١/٤٣- ٤٥) ، و"اللباب" لابن عادل (٢/٣٩٦- ٣٩٧) ، و"روح المعاني" للآلوسي (٣٠/١٦٨) ، و"المحتسب" (٢/٣٦٦-٣٦٧) ، والخصائص" (٣/٩٤- ٩٦) ، (٣/٢١٨- ٢٢٧) ، و"سر صناعة الإعراب" (١/٧٥، ٨٠- ٨٢) ، و"مغني اللبيب" (ص٢٧٥- ٢٧٦) ، و"الجنى الداني" (ص٢٦٦) ، و"اللباب" للعكبري (٢/٢٨٨- ٢٨٩) ، و"همع الهوامع" (٢/٥٤٣) ، و"لسان العرب" (٥/٧٥) .
وأما ضم الجيم من «لم يَحْتَاجُ» : فيتأتى على إهمال «لم» ؛ فيرفع المضارع بعدها حملاً على «لا» أو «ما» النافيتين، وهذه لغة لبعض العرب نقلها ابن مالك في "شرح التسهيل" (٤/٦٦) وأنشَدَ قول الشاعر [من البسيط] :
لولا فوارسُ مِنْ نُعْمٍ وأُسْرَتُهُمْ
يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لم يُوفُونَ بِالجَارِ
وقد ضعفها ابن مالك نفسه في "شرح الكافية الشافية" (ص ١٥٧٥-١٥٧٦) ، كما عدها ابن عصفور في الشعر من الضرورة.
انظر: "شرح التسهيل" (١/٢٨) و (٤/٦٦) و"مغني اللبيب" (ص٢٧٥) ، و"همع الهوامع" (٢/٥٤٣) ، و"خزانة الأدب" (٩/٣- ٤ الشاهد رقم ٦٧٦) ، و"ضرائر الشعر" (ص٣١٠) .

الصفحة 286