٤١٠ - وسأل (١) أحمدُ بْن سَلَمة أَبِي عَنْ حديثٍ فِي أَوَّل كتاب "جامعِ إِسْحَاق بْن رَاهُوْيَهْ (٢) "؛ قَالَ إِسْحَاق: وَإِذَا أَرَادَ أن يجمعَ بين: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ... وبين: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... أحبُّ إِليَّ؛ لِمَا يَرويه المِصريُّون؛ حديثًا عَنِ اللَّيْث بْن سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يزيدَ، عن الأعرج (٣) ، عن عُبَيدالله ابن أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عليِّ بْنِ أبي طالب، عن النبيِّ (ص) ؟
قَالَ أَبِي: هَذَا حديثٌ باطلٌ موضوعٌ، لا أَصْلَ لَهُ؛ أرى أنَّ (٤) هَذَا مِنْ روايةِ خَالِد بْن القاسم المَدائِني، وَكَانَ بالمَدائِن (٥) ؛ خرَجَ إِلَى مِصْر، فسمع من اللَّيْث (٦) ، فرجعَ إِلَى المَدائِن، فَسَمِعُوا منه الناسُ (٧) ،
---------------
(١) نقل هذا النص الزيلعي في "نصب الراية" (١/٣١٩) ، والعيني في "عمدة القاري" (٥/٢٩٥) .
(٢) قال الزركشي في "نكته" (١/١٢٩) : «يجوز في "راهويه" فتح الهاء والواو وإسكان الياء، ويجوزُ ضمُّ الهاء وإسكان الواو وفتح الياء؛ وهذا الثاني هو المختار.
وعن الحافظ جمال الدين المِزِّي أنّه قال: غالبُ ما عند المحدِّثين (فَعْلُوْيَهْ) - بضم ما قبل الواو- إلَاّ «رَاهَوَيْهِ» ، فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو. وانظر: "الأنساب" (٣/٣٧) ، و"سير أعلام النبلاء" (١١/٣٥٨) ، و"تدريب الراوي" (١/٣٣٨) .
أمّا معناه: فقد قال الزركشيُّ (١/١٣١) : «واعلم أنَّ (راهويه) لقَبٌ لجده، وسمِّي بذلك؛ لأنه وُلِدَ في الطريق، والرَّهْوُ: الطريقُ، وكان أبوه يكره أن يسمَّى به» . وانظر: "تهذيب الكمال" (١/١٧٦) .
(٣) هو: عبد الرحمن بن هرمز.
(٤) في (ك) : «بن» بدل: «أن» .
(٥) في (ت) و (ك) : «وكان المدائني» .
(٦) قوله: «من اللَّيث» سقط من (ك) .
(٧) كذا في جميع النسخ، ووردتْ في "نصب الراية" على الجادة: «فَسَمِعَ منه الناسُ» ، وما في النسخ صحيحٌ في العربية؛ جاء على لغة طيِّئ وأزد شَنُوءة وبني الحارث بن كَعْب؛ في إلحاق الألف أو الواو أو النون بالفعل المسند إلى اسم ظاهر مثنًّى أو مجموع مذكر أو مؤنث، على أنها حروفٌ دالة على التثنية أو الجمع، لا ضمائر؛ قال سيبويه: «واعلم أنَّ مِن العرب مَنْ يقول: ضَرَبُونِي قَوْمُكَ، وضرباني أخواك؛ فشبَّهوا هذه بالتاء التي يُظْهِرونها في: «قالتْ فلانةُ» ، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً كما جعلوا للمؤنَّث؛ وهي قليلة» اهـ. وقد عُرِفَتْ هذه اللغةُ بلغة «أكلوني البراغيثُ» ، ويسمِّيها ابنُ مالك لغةَ «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ» . ولغة جمهور العرب: ضربني قومُك، وضربني أخواك.
وقد اختلف العلماء في هذه اللغة؛ فمنهم مَنْ عدَّها لغةً حسنة وفاشية - وهو الراجحُ مِنْ حيثُ الدليلُ - = = ومنهم مَنْ عدَّها لغة شاذة وقليلة. قال أبو حيان في "ارتشاف الضرب" (٢/٧٣٨-٧٣٩) : «وهذه اللغةُ عند جمهور النحويين ضعيفةٌ، وكثرةُ ورودِ ذلك يدلُّ على أنَّها ليستْ ضعيفةً» . اهـ. وقواها كذلك غير واحد من العلماء.
ولهذه اللغة شواهدُ كثيرةٌ جدًّا: من القرآنِ، والحديثِ الصحيحِ، وشِعْرِ العَرَبِ المُحْتَجِّ بكلامهم الثابتِ النسبةِ إليهم؛ مما يَدُلُّ على أنَّ هذه اللغةَ ليستْ مهجورةً ولا بعيدةً عن الفصاحة؛ فمن القرآن: قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: ٣] ، وقولُهُ تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة: ٧١] .
ومن الحديث: «كُنَّ نساءُ المؤمناتِ يَشْهَدْنَ مع رسول الله صلاةَ الفجر» "البخاري" (٥٧٨) ، ونحو: «ويَعْتَزِلْنَ الحُيَّضُ المصلَّى» "البخاري" (٩٧٤) ، ونحو: «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ» "البخاري" (٥٥٥) ، ونحو: «قد كُنَّ نساءُ رسولِ الله يَحِضْنَ» "مسلم" (٣٣٥) ، ونحو: «ذَكَرْنَ أزواجُ النبيِّ كنيسةً رأينها بأرضِ الحبشةِ» "مسلم" (٥٢٨) ، وغير ذلك الكثير؛ وانظر على سبيل المثال: "صحيح البخاري" (٧٤٢٩، ٧٤٨٦) ، و"صحيح مسلم" (٣٧، ٦٣٢، ٨٨٥، ٢٠٢٩، ٢٤٤٨) ، و"موطأ الإمام مالك " (١/١٧٠رقم ٨٢) ، و"مسند الإمام أحمد" (٣/٣٠٣ رقم ١٤٢٤٧) ، (٦/٢٧ رقم ٢٣٩٩١) ، (٦/١٥٠ رقم ٢٥١٧٤) ، و"سنن أبي داود" (٧٣٦) ، و"سنن النَّسَائي" (٤٨٥، ٣٩٤٦) ، وغيرها، وكثيرٌ من قواعدِ العربية ثَبَتَتْ بأقلَّ وأضعفَ من تلك الشواهد.
وانظر: "البحر المحيط" (٦/٢٩٦) ، و"المفهم" (٦/٣٣٤) ، و"شرح النووي على مسلم" (١/٣٧٦) ، (٢/٧) ، و"فتح الباري" لابن حجر (١/٤٢٠، ٤٢٤) ، (٢/٣٤) ، و"إعراب الحديث النبوي" للعكبري (ص ٨٥-٨٦، ١٠٢-١٠٣) ، و"شواهد التوضيح" (ص ٢٤٦-٢٤٨) ، و"كتاب سيبويه" (٢/٤٠) ، و"ارتشاف الضَّرَب" (٢/٧٩٣) ، و"شرح المفصل" (٣/٨٧-٨٩) ، و"أوضح المسالك" (٢/٨٨-٩٦/ حاشية الشيخ محيي الدين عبد الحميد) ، و"عقود الزبرجد" (١/٢١٣، ٢٩١) ، (٣/٢٩-٣٠) ، و"السير الحثيث" لمحمود فجال (١/١٥٧-١٦٧) . وانظر بحثًا في هذه اللغة للدكتور محمد أحمد الدالي بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج ٦٨، ج ٣، سنة ١٩٩١م.