كتاب العلل لابن أبي حاتم ت الحميد (اسم الجزء: 3)

إِنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرُونَ وَمِئَةُ (١)
رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا
---------------
(١) في (ش) : «وعشرون ومئة» ، والمثبت من بقيَّة النسخ، ومثله في "أخبار مكة" للفاكهي (٣٢٤) ، و"الأفراد" للدارقطني، و"جُزْءِ بيبى"، و"الفردوس" للديلمي (١/١٨٩ رقم ٧٠٩) ، و"الأجوبة المَرضيَّة" للسخاوي (١/٣١) .
وفي كثير من مصادر التخريج: «عشرين ومئة» و «مئةً وعشرين» ، وهو الجادَّة لأنَّه اسم «إنَّ» مؤخَّر، وفي بقيَّة المصادر: «يُنْزِلُ الله عز وجل كلَّ يوم وليلة عشرين ومئة رحمة» ، و «يَنْزِلُ في كل يوم وليلة عِشْرون ومئةُ رحمة» ، وهذه الروايات لا إشكال فيها.
أما ما في نسخنا فيخرَّج على وجه صحيح مشهور في العربية، وهو جعل اسم «إنَّ» ضميرَ شأنٍ مقدَّرًا، وخبرها هو الجملةُ الاسمية، والتقدير: «إنَّهُ - أي الشأن والحديث - لِلَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وليلةٍ عشرون ومئةُ رحمة» ، ونحوُ هذا ما ذكروه في تخريج قولِهِ (ص) : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ الناسِ عَذَابًا يومَ القيامةِ المُصَوِّرُونَ» ، كما سيأتي في المسألة رقم (٢٢٠٦) ، وقولِهِ (ص) : «وإنَّ بَينَ عَيْنَيهِ مَكتُوبٌ: كافِرٌ» ، وقولِهِ (ص) : «إنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ في صُحْبَتهِ ومَالِهِ أبو بَكْرٍ» .
وضميرُ الشأن كَثُرَ دورانُهُ في هذا الكتاب، بارزًا ومستترًا ومحذوفًا؛ فنقول: يكون ضمير الشأن بارزًا وهو مبتدأ، أو اسمٌ لـ «إنَّ» أو إحدى أخواتها، أو مفعولٌ أول في باب «ظنَّ» وأخواتها، ويكون مستترًا مرفوعًا اسمًا للأفعال الناسخة في باب «كان» و «كاد» ، ويأتي ضمير الشأن محذوفًا منصوبًا اسمًا لـ «إنَّ» المثقلة أو إحدى أخواتها وكذلك «إنْ» و «أنْ» و «كأنْ» المخفَّفات، ويُحذف أيضًا مفعولاً أوَّلَ في باب «ظنَّ» ، ولكل ذلك شواهد من القرآن والحديث وكلام العرب شعرًا ونثرًا.
قال ابن مالك في "شرح الكافية الشافية" له (١/٢٣٦) : «ويجوزُ حذفه [أي: ضميرُ الشأن] مع «إنَّ» وأخواتها، ولا يُخَصُّ ذلك بالضرورة، وعليه يُحْملُ قوله (ص) : «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» ، والتقدير: «إنَّهُ» . اهـ. وقد بيَّن رضي الدين الأستراباذي في "شرح كافية ابن الحاجب" (٤/٣٩٨) سببَ هذا الحذف؛ فقال: «وإنما جاز حذفُ ضمير = = الشأن مِنْ غير ضعف؛ لبقاء تفسيره، وهو الجملة؛ فهو كالزائد، وجاء في الخبر: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» ، وعند الكسائي: «مِنْ» فيه زائدةٌ، وعند ابن كَيْسان: الحروفُ في مِثْله غيرُ عاملة لفظًا كالمكفوفة» . اهـ.
انظر: "شرح المفصَّل" (٣/١١٤-١١٨) ، و"إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث" (١/٣٩، ٤٦، ١٢٠، ٢٠٠) ، و"إملاء ما من به الرحمن" (١/٥٣-٥٤) ، و"اللمع" لابن جني (١/٣٨) ، و"شرح التسهيل" لابن مالك (٢/١٣-١٥) ، و"شواهد التوضيح" (ص٢٠٠، ٢٠٣، ٢٠٥، ٢٠٧) ، و"شرح ابن عقيل" (١/٢٦١-٢٦٦، ٣٥١-٣٥٩) ، و"أوضح المسالك" (٢/٦٠-٦٣) ، و"مغني اللبيب" (١/٨٣، ٢٠٤، ٣٧٨) ، و"شرح شذور الذهب" (١/١٧٦) ، و"همع الهوامع" (١/٢٧٢-٢٧٤) ، و"شرح النووي على مسلم" (٣/٩٨) ، و"شرح السيوطي لسنن النسائي" (١/٣٠) ، و"السير الحثيث، إلى الاستشهاد بالحديث، في النحو العربي" للدكتور محمود فجال (٢/٥١٦-٥١٩) .

الصفحة 268