كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)
الذي تكون الجنة فيه نُصْبَ الشمس والرياح، فتتربَّى الأشجار هناك أتمَّ تربيةٍ؛ فنزَل عليها من السماء مطرٌ عظيمُ القطر متتابعٌ، فروَّاها ونمَّاها، فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه (¬١) غيرُها بسبب ذلك الوابل. {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} مطر صغير القَطر، يكفيها لكرم منبتها، تزكو على الطَّلِّ، وتنمي (¬٢) عليه؛ مع أنَّ في ذكر نوعي الوابل والطلِّ إشارةً إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلًا، ومنهم من يكون إنفاقه طلًّا، والله لا يُضيع مثقال ذرة (¬٣).
فإن عرض لهذا العامل ما يُغرق أعماله ويُبطل حسناته كان بمنزلة رجلٍ {لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ [١٠٩/أ] وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} [البقرة: ٢٦٦]. فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد هذا العاملُ عملَه قد أصابه ما أصاب صاحبَ هذه الجنة، فحسرتُه حينئذ أشدُّ من حسرة هذا على جنته.
فهذا (¬٤) مثلٌ ضربه الله سبحانه في الحسرة بسلب (¬٥) النعمة عند شدة الحاجة إليها، مع عظم قدرها ومنفعتها. والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبرُ
---------------
(¬١) ت: "تؤتي"، ولم يعجم حرف المضارع في ح، ع. والمثبت من س، ف. وفي النسخ المطبوعة: "يؤتيه".
(¬٢) في المطبوع: "تنمو" خلافًا للنسخ.
(¬٣) وقد توسَّع المصنف في تفسير المثل في "طريق الهجرتين" (٢/ ٨٠٣ - ٨٠٦).
(¬٤) س: "وهذا".
(¬٥) ع: "لسلب"، وكذا في النسخ المطبوعة.