كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

يوضِّحه أنَّ مَن شرَط التعزُّبَ فإنما قصد أن تركَه (¬١) أفضلُ وأحبُّ إلى الله، فقصد أن يتعبَّد الموقوفُ عليه بتركه. وهذا هو الذي تبرَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منه بعينه فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (¬٢). وكان قصدُ أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا تربية (¬٣) أنفسهم على العبادةِ وتركِ النكاح الذي يشغلهم، تقرُّبًا إلى الله بتركه، فقال النبي صلى الله [١٨٩/أ] عليه وسلم فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه. وهذا في غاية الظهور، فكيف يحِلُّ الإلزام بترك شيءٍ قد أخبر به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ من رغب عنه فليس منه؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه.
فالصواب الذي لا تسوِّغ الشريعةُ غيرَه: عرضُ شروط الواقفين على كتاب الله وعلى شرطه، فما وافق كتابَه وشرطَه فهو صحيح، وما خالفه كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مائة شرط (¬٤). وليس ذلك بأعظم من ردِّ حكمِ
---------------
(¬١) كذا في النسخ، يعني: ترك النكاح.
(¬٢) رواه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس - رضي الله عنه -.
(¬٣) ت، ع: «ترفية»، وكذا في ح دون إعجام. وفي س: «ترفيه» بالهاء. وكذا في النسخ المطبوعة بالتاء أو الهاء. ووضع ناسخ ف علامة «ظ» على الكلمة في النسخة، وكتب في طرَّتها «تربية» مع علامة «ظ» أيضًا. وما اقترحه أقرب، وإن كان المؤلف يستعمل في هذا السياق كلمة «التوطين». انظر مثلًا: «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٥٢، ١١٥٣، ١١٥٥) و «الفوائد» (ص ١٩٩) و «إغاثة اللهفان» (١/ ١١٣).
(¬٤) كما في البخاري (٢١٥٥) ومسلم (١٥٠٤/ ٨) وغيرهما.

الصفحة 112