كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 2)

أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلَم أحد من عمل السوء؛ وبيَّن أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهمِّ والحزن والمرض والنَّصَب (¬١)، وغير ذلك من مصائبها. وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة.
وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: ٨٢] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبيَّن أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (¬٢) [لقمان: ١٣]، مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقَّه من التأمل يبيِّن ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. ولبسُ الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطِّي الإيمانَ ويحيط به ويلبسه إلا الكفر. ومن هذا: قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: ٨١] [٢١٣/ب] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به. ومع أن سياق قوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ
---------------
(¬١) رواه أحمد (٦٨) من طريق أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - مرفوعا، وابن أبي زهير هذا مستور الحال، ولم يسمع من الصدِّيق. ومع ذلك ساق ابن حبان حديثَه هذا في «المسند الصحيح» (٥٧٠، ٤٤١٣)، وصححه أيضًا الحاكم (٣/ ٧٤ - ٧٥). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١/ ١٥٩ - ١٦١)، لكنه أشار إلى انقطاع سنده.
(¬٢) أخرجه البخاري (٣٢) ومسلم (١٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.

الصفحة 181