كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 4)

كان مسيئًا فتجاوزْ عن سيئاته (¬١)؛ فهذا طلبٌ للتجاوز عنه بشرطه، فكيف يُمنع تعليق التوبة بالشرط؟ وقال شيخنا: كان يُشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أصلي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرطَ الشرطَ، أو قال: علِّق الدعاء بالشرط.
وكذلك أرشد أمته - صلى الله عليه وسلم - إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط، فقال: «لا يتمنَّى أحدكم الموتَ لِضرٍّ نزل به، ولكن ليقلْ: اللهم أَحيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (¬٢). وكذلك قوله في الحديث الآخر: «وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فتوفَّني إليك غيرَ مفتونٍ» (¬٣).
وقال: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا» (¬٤).
وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلَّف. وقد صح تعليق النذر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب (¬٥)، وتعليق الضمان
---------------
(¬١) رواه مالك (١/ ٢٢٧) من دعاء أبي هريرة في صلاة الجنازة، وإسناده صحيح، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ١٥٩). وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٤٧١) من دعاء أنس بعد الدفن، وإسناده صحيح.
(¬٢) رواه البخاري (٥٦٧١، ٦٣٥١، ٧٢٣٣) ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس - رضي الله عنه -.
(¬٣) رواه الترمذي (٣٢٣٥) وابن خزيمة في «التوحيد» (٥٥) من حديث معاذ بن جبل، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونقل تصحيحه عن البخاري.
(¬٤) تقدم.
(¬٥) في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ... } [التوبة: ٧٥ - ٧٧].

الصفحة 378