كتاب إكمال المعلم بفوائد مسلم (اسم الجزء: 1)

(57) باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق
199 - (125) حدّثنى مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، وَأمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِىُّ - وَاللَّفْظُ لأمَيَّةَ - قَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعْ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسَبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} (¬1) قال: فَاشْتدّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الركَبِ، فَقَالُوا: أىْ رَسُول اللهِ، كُلفْنَا مِنْ الأعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله فى الحديث: لما أنزل على النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم} الآية، اشتدَّ ذلك على الصحابة .. الحديث .. إلى قوله: نسخها [الله] (¬2)، فأنزل [الله] (¬3): {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} الآية (¬4)، قال الإمام: إشفاقهم وقولهم: لا نطيقها يحتمل أن يكون اعتقدوا أنهم يؤاخذون بما لا قدرة لهم على دفعه من الخواطر التى لا تكتسب، فلهذا رأوه (¬5) من قبيل ما لا يطاق [لا أنهم أرادوا ألا يؤاخذوا بالمكتسب، وهذا على طريقة من يرى أَنَّ السيئة تكتب إذا اعتقدها وإن لم يفعلها، وسنذكر وجه تأويل الأحاديث عند صاحب هذا القول] (¬6).
فإن كان المراد هذا كان الحديث دليلاً على أنهم كُلّفوا ما لا يطاق. وعندنا أن تكليفه جائزٌ عقلاً، واختلف هل وقع التعبد به فى الشريعة أم لا (¬7)؟ وأما قول الراوى: إن
¬__________
(¬1) البقرة: 284.
(¬2) من الأصل.
(¬3) من ت.
(¬4) البقرة: 286.
(¬5) فى الأصل: رواه، والمثبت من المعلم وت.
(¬6) من المعلم، وقد سقطت من جميع نسخ الإكمال.
(¬7) قال أبو حامد الغزالى فى المستصفى: " ذهب قومٌ إلى أن كون المكلف به ممكن الحدوث ليس بشرط، بل يجوز تكليف ما لا يطاق، والأمر بالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، قال: وهو المنسوب إلى الشيخ أبى الحسن الأشعرى، وهو لازم على مذهبه من وجهين: أحدهما: أن القاعد عنده غير قادر على القيام إلى الصلاة؛ لأن الاستطاعة عنده مع الفعل لا قبله، وإنما يكون مأمورًا قبله. والآخر: أن القدرة الحادثة لا تأثير لها فى إيجاد المقدور، بل أفعالنا حادثة بقدرة الله تعالى واختراعه، فكل عبد هو عنده =

الصفحة 419