كتاب إكمال المعلم بفوائد مسلم (اسم الجزء: 2)

125 - (...) وَحَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الحَارِثِىُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقولُ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ. ثُمَّ يُصَلونَ وَلا يَتَوَضَّؤُونَ قَالَ: قُلتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ؟ قَالَ: إِى، وَاللهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بحدثٍ فى نفسه (¬1)، وأن موجب الوضوء منه المستثقل الذاهب بحسِّ المرء حتى لا يعلم بالحدث إذا خرج منه (¬2)، وأن الخفيف اليسير منه لا يجب منه وضوء خلافاً للمزنى فى إيجابه الوضوء من قليله وكثيره (¬3)، وقد تأوله على المذهب بعض شيوخنا (¬4)، ثم اختلفت أقاويل أئمتنا وغيرهم فى هيئات النائم الذى يحكم له بنقض الطهارة إما لإمكان الاستثقال (¬5) أو لسرعة خروج الحدث كالراكع والقائم والجالس والراكب بما هو مُفَسَّرٌ فى أصولنا، وعلى هذا يحملُ نوم الصحابة - رضى الله عنهم - لأنهم كانوا جلوساً ينتظرون الصلاة، ولأنه قال فيه: " حتى تخفق رؤوسهم "، وهذه أول سنات النوم ومخامرته الحِسَّ، ولم يقل: حتى [يسقطون أو يغطون] (¬6)، وقد كان بعض السلف لا يرى النوم حدثاً على أى وجه كان حتى يُحقق خروج الحدث فيه (¬7)، وكان بعضهم يجعل من يحرُسُه إذا نام (¬8)، وذهب بعض متأخرى الشافعية إلى أن النائم إذا ضم نفسه وزمَّ وركيْه عند نومه
¬__________
(¬1) وهذا القول مروىٌ عن أبى موسى الأشعرى، وحكاه ابن عبد البر، قال: إن النوم عنده ليس بحدث على أىِّ حالٍ كان حتى يحدث النائمُ حدثاً غيرَ النوم؛ لأنه - يعنى أبا موسى الأشعرى - كان ينامُ ويوكِّل من يحرُسهُ. الاستذكار 2/ 74.
وقد عقب ابن عبد البر فى التمهيد على ذلك بأنه قول شاذ والناس على خلافه. التمهيد 18/ 247.
(¬2) وروى عن عُبيدَة نحو ذلك، قال أبو عمر: وهو يشبه ما نزَع إليه أصحابُ مالك، فإنهم يوجبون الوضوء مع الاستثقال من أجل ما يداخله من الشك. الاستذكار 2/ 74.
(¬3) فقد قال: النومُ حدثٌ كسائر الأحداثِ، قليله وكثيرُه يوجب الوضوء. وحجته فى ذلك حديث صفوان بن عسَّال المرادى قال: " كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى سفَرٍ، فأمَرنا ألا ننزع خِفافنا من غائطٍ أو بولٍ أو نوم، ولا ننزعهَا إِلا من جنابة "، قال: فلما جعلهن النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى معنى الحديث واحداً، استوى الحدث فى جميعهن، مضطجعاً كان أو قاعداً، قال: ولو اختلف حدث النوم لاختلاف حال النائم لاختلف كذلك حدث الغائط والبول، ولأبانه - عليه السلام - كما أبان الآكل فى الصوم - عامداً مفطر، وناسياً غير مفطر. راجع المختصر 1/ 16، وانظر: معرفة السنن والآثار 1/ 928.
(¬4) واحتجوا لذلك بحديث على ومعاوية أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " وكاء السَّه العينان، فمن نام فليتوضأ ". والسَّه هو الدبر، والوكاء هو الخيط الذى يشد به الوعاء. قال أبو عمر: وهما حديثان ضعيفان، لا حجة فيهما. انظر: التمهيد 18/ 247.
(¬5) وعليه حملوا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا استيقظ أحدُكُم من نومه فليغسل يَدَه قبل أن يُدخلها فى وَضوئه، فإن أحدَكم لا يدرى أين باتت يدُه ". راجع: الاستذكار 2/ 67 - 78.
(¬6) فى الأصل: يُغطوا أو يسقطوا.
(¬7) وهو مروى عن ابن عباس وأبى هريرة وأنس بن مالك، وبه قال الحسن وسعيد بن المسيب، فقد جاء عنهم: إذا خالط النومُ قلبَ أحدِكم واستغرق نوماً فليتوضأ. السابق
(¬8) هو أبو موسى الأشعرى - رضى الله عنه، وقد سبق.

الصفحة 232