كتاب إكمال المعلم بفوائد مسلم (اسم الجزء: 3)

وَيَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةِ ضَلَالَةَ ". ثُمَّ يَقُولُ: " أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قيل فى قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب} (¬1) هو قوله: أما بعد، وقيل فيه غير هذا (¬2)، وأولى الأقوال في الآية أنه الفصل بين الحق والباطل كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} (¬3).
وقوله: " خير الهدى هدى محمد ": رويناه هنا بضم الهاء فيهما وفتح الدال، ومعناه: الدلالة، والهدى هديان: هدى دلالة وإرشاد وبيان وهو الذى يضاف إلى الرسول والقرآن والعباد، قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (¬4) و {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم} (¬5) و {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (¬6) و {هُدًى لِلْمُتَّقِين} (¬7). والهداية الثانية: بمعنى التأييد والعصمة والتوفيق وهى التى تفرد بها جل جلاله وتقدست أسماؤه، قال الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْببْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} (¬8)، وحملت القدرية الهدى حيث وقع على البيان بناء على أصلهم الفاسد فى القدر (¬9). وقول الله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (¬10) وتفريقه بين الدعاء والهدى يرد قولهم.
وروينا الحرف فى غير الكتاب: " خيرٌ الهَدْى هَدْىُ محمد " بفتح الهاء فيهما وسكون الدال، وفى هذا [الكتاب] (¬11) أدخله الهروى وفسّره بالطريق، أى إن أحسن الطريق طريق محمد، يقال: فلان حسن الهَدْى، أى المذهب فى الأمور كلها والسيرة، ومنه: " اهدُوا هدى عمار " (¬12) وقوله: " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه " يكون " أولى " هنا
¬__________
(¬1) ص: 20. وما ذكره القاضى أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره بإسناده عن أبى موسى - رضى الله عنه - قال: أول من قال: " أما بعد " داود - عليه السلام - وهو فصل الخطاب. قال ابن كثير: وكذا قال الشعبى: فصل الخطاب: أما بعد 7/ 51.
(¬2) وذلك مثل قول مجاهد والسدى: هو إصابة القضاء وفهمه، وقال: شريح والشعبى: فصل الخطاب الشهود والأيمان، وقال قتادة: شاهدان على المدعى أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب، الذى فصل به الأنبياء والرسل، وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. السابق.
(¬3) الطارق: 13، 14.
(¬4) الشورى: 52.
(¬5) الصافات: 23.
(¬6) الإسراء: 9.
(¬7) البقرة: 2.
(¬8) القصص: 56.
(¬9) يعنى بمذهبهم الفاسد قولهم: إن العبد يخلق أفعاله، وأن الإيمان والهداية من فعله.
(¬10) يونس: 25.
(¬11) فى الأصل: الباب، والمثبت من س.
(¬12) أحمد فى المسند من حديث حذيفة 5/ 399، وقد نقلها الأبى: " اهتدوا بهدى عمار " 2/ 22، وهو لفظ الطبرانى فى الأوسط، قال الهيثمى: وفيه يحيى بن عبد الحميد الحمانى، وهو ضعيف 9/ 295، ولم يشر لرواية أحمد.

الصفحة 269