يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلى وُجُوهِهِمَا ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الله تعالى: {الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ} (¬1).
وقوله: " فيجدانها وحشاً ": أى خلاء، قال الحربى: وحشى من الأرض أى خلاء، ويمشى وحشاً: أى وحده. وروى فى كتاب البخارى (¬2): " وحوشاً " فمعناها بين؛ لخلائها، عمرتها الوحوش كما قال للعوافى فى الطير والسباع، ويكون " وحشاً " أيضاً بمعنى وحوش، والوحش كل شىء توحش من الحيوان وجمعه وحوش. وقد يعبر بواحدة عن جنسه. وقال ابن المرابط: قوله: " فيجدانها وحوشاً ": أى أن غنمها صارت وحوشاً. قال: فيحتمل أن تصير وحوشاً غير غنم، ويحتمل أن تتوحش وتنفر من أصواتها.
قال القاضى: وليس يدل الحديث على أن الضمير فى خرابها يعود على الغنم، وإنما يعود على المدينة كما قدمنا. رواية البخارى لهذا الحديث أتم، قال: " آخرُ من يحشر راعيان من مزينة " وذكر الحديث (¬3)، قيل: معناه: آخر من يموت بها فيحشر؛ لأن الحشر إنما هو بعد الموت، ويحتمل أن يتأخر حشرهما بحسب تأخر موتهما، وإن لم يكن بين حشر الناس أمد بعيد، قال الله تعالى: {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} (¬4)، وكذلك صعقها أيضاً الصيحة الأولى يكون آخر من يموت بها، قال الله تعالى: {إن كَانَتْ إلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} (¬5).
¬__________
(¬1) البقرة: 171.
(¬2) و (¬3) البخارى، ك فضائل المدينة، ب من رغب عن المدينة.
(¬4) يس: 53.
(¬5) يس: 29.