وروى ابن عبد البر بسنده إلى يحيى بن سعيد القطان (¬1) أنه قال: سمعتُ شُعبة (¬2)
يقول: «إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ ». قال ابن عبد البر: إنما عابو الإكثار خوفًا من أن يرتفع التدبر والتفهم. (¬3)
وقال في موضع آخر: «أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه فمكروه عند جماعة من أهل العلم» (¬4).
النموذج الثالث: الاستدراك على التكثّر بالمسائل.
روى ابن عبد البر بسنده عن عبدة بن أبي لبابة (¬5) أنه قال: «ودِدْتُ أن أحظى من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم» (¬6).
¬_________
(¬1) هو: أبو سعيد، يحيى بن سعيد بن فروخ، التميمي مولاهم البصري، القطان، الإمام، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، عني بشأن الحديث أتم عناية، ورحل فيه، وساد الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج به الحفاظ، وكان يقول: لزمت شعبة عشرين سنة. وتوفي بالبصرة 198 هـ في خلافة عبد الله بن هارون.
[يُنظر: الطبقات الكبرى، (7/ 293). و: سير أعلام النبلاء، (9/ 175)].
(¬2) هو: أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد، الأزدي العتكي، مولاهم الواسطي، الإمام الحافظ، عالم أهل البصرة وشيخها، سكن البصرة من الصغر، ورأى الحسن، وأخذ عنه مسائل، وكان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الشافعي: لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق. توفي بالبصرة، 160 هـ.
[الطبقات الكبرى، (7/ 280). و: سير أعلام النبلاء، (7/ 202)].
(¬3) جامع بيان العلم وفضله، (1029).
(¬4) جامع بيان العلم وفضله، (1020).
(¬5) هو: أبو القاسم، عبدة بن أبي لبابة، الأسدي ثم الغاضري، مولاهم الكوفي التاجر، أحد الأئمة، نزل دمشق، ثقة، توفي سنة 127 هـ.
[يُنظر: سير أعلام النبلاء، (5/ 229). و: تهذيب الكمال، (18/ 541)].
(¬6) جامع بيان العلم وفضله، (1059). قال المحقق: إسناده حسن.