كتاب الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار - ت: قلعجي (اسم الجزء: 23)

34429 - وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يُرَدْ بِذَلِكَ السَّيِّدُ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ جَمَاعَةُ النَّاسِ ; نَدَبُوا إِلَى عَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ، فَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَالْكِتَابَةُ عِنْدَهُمْ، إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ وَاجِبَةُ، وَالْإِيتَاءِ لَهُمْ مِنَ السَّيِّدِ وَاجِبٌ، يَضَعُ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ مَا شَاءَ.
34430 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ مَا شَاءَ، وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَرَى الْكِتَابَةَ لِغَيْرِهِ ; إِذَا سَأَلَهُ إِيَّاهَا وَاجِبَةً، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنِ الْإِيتَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَعْتَرِضُهُ أَصْلٌ، وَرَأَى أَنَّ عَطْفَ الْوَاجِبِ عَلَى النَّدْبِ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [ النَّحْلِ: 90 ] وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا.
34431 - وَقَالَ مَالِكٌ: يُنْدَبُ السَّيِّدُ إِلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِنَ الْكِتَابَةِ شَيْئًا فِي آخِرِ كِتَابَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحِدَّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَاسْتَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُبُعَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ يُوجِبُ الْإِيتَاءَ، وَمَالِكٌ يَنْدُبُ إِلَيْهِ.
34432 - وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعْلُومَةً، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ ; فَلَوْ أَنَّ الْوَضْعَ مِنْهَا يَكُونُ وَاجِبًا مَجْهُولًا، لِآلَ ذَلِكَ إِلَى جَهْلِ مَبْلَغِ الْكِتَابَةِ.

الصفحة 255