كتاب الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار - ت: قلعجي (اسم الجزء: 26)

أَنْ يَمْدَحَ مَكَّةَ وَيُزَيِّنَهَا لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا، فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَيْهَا، وَخَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ مِنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ دُرَّتَهُ وَسَطْوَتَهُ، فَفَزِعَ إِلَى الْفَضْلِ الَّذِي لَا يُنْكِرُهُ عُمَرُ، وَجَادَلَهُ عَمَّا أَرَادَ مِنْهُ فَقَالَ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ يَعْنِي وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ الْمَدِينَةُ، وَأَقَرَّ لَهُ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) وَأَمْنِهِ، وَلَا فِي بَيْتِهِ شَيْئًا، وَأَعَادَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَوْلَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يُنْكِرْهُ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَمْ أَسْأَلْكَ عَنِ التَّفْضِيلِ، وَلَا الْفَضَائِلِ، وَسَكَتَ لِمَا سَمِعَ مِنْهُ مِنْ فَضْلِ مَكَّةَ مَا لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَحْتَجَّ مَعَهُ إِلَى ذَلِكَ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَيْرَاتِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ حِينَئِذٍ أَكْثَرَ: مِنْ رُطَبِهَا وَتَمْرِهَا، وَحَرْثِهَا، وَدُرُوبُ الْعَيْشِ فِيهَا أَغْزَرُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهِ لِلْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ لِأَنَّ الْخَيْرَ أَكْثَرُ فِي الْبِلَادِ الْكِبَارِ وَحَيْثُ الْأَئِمَّةُ وَالسُّلْطَانُ، فَكَيْفَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
388719 - فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَى خَبَرِ عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
38720 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ " خَيْرٌ " لَيْسَ بِمَعْنَى أَفْضَلَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُقَيْلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَحَدُ الْفُصَحَاءِ، لَمَّا أَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ عَطَاءً جَزْلًا قَالَ لَهُ: مَنْ خَيْرٌ لَكَ، أَنَا أَوْ أَخُوكَ ؟ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَخِي، وَأَخِي خَيْرٌ لِنَفْسِهِ

الصفحة 65