418 - (إذا أردت أن يحبك الله فابغض الدنيا) التي منذ خلقها لم ينظر إليها بغضا لها لحقارتها عنده بحيث لا تساوي جناح بعوضة والمراد اكره بقلبك ما نهيت عنه منها وتجاف عنها واقتصر على ما لا بد منه ومن فعل ذلك كشف لسره حجب الغيب فصار الغيب له مشهودا (وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها) بضم الفاء أي بقاياها الزائدة على ما تحتاجه لنفسك وممونك بالمعروف (فانبذه) أي اطرحه (إليهم) فإنهم كالكلاب لا ينازعونك ولا يعادونك إلا عليها فمن زهد فيما في أيديهم وبذل لهم ما عنده وتحمل أثقالهم ولم يكلفهم أثقاله وكف أذاه عنهم وتحمل أذاهم وأنصفهم ولم ينتصف منهم وأعانهم ولم يستمعن بهم ونصرهم ولم يستنصر بهم أجمعوا على محبته. وهذا الحديث من جوامع الكلم وأصل من أصول القوم الذي أسسوا عليها طريقهم ومن وفق للعمل به وإنه لصعب شديد إلا على من شاء الله تعالى ارتاح قلبه واستقام حاله وهانت عليه المصائب والفضول بالضم جمع فضل كفلوس وفلس الزيادة قال في المصباح: وقد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه ولهذا نسب إليه فقيل فضولي لمن يشنغل بما لا يعنيه لأنه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد وسمى به الواحد والنبذ الإلقاء والطرح ومنه صبي منبوذ أي مطروح
(خط عن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة بلفظ النسب (ابن الحراش) بمهملة مكسورة وآخره شين معجمة ابن جحش بن عمرو بن عبد الله العبسي الكوفي تابعي ثقة جليل مشهور مات سنة مئة (مرسلا) وقال العجلي له إدراك قال ربعي: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس فذكره
419 - (إذا أردت) أي هممت (أن تذكر عيوب غيرك) أي تتكلم بها أو تحدث بها نفسك (فاذكر عيوب نفسك) أي تذكرها واستحضرها في ذهنك وأجرها على قلبك مفصلة عيبا عيبا فإن ذلك يكون مانعا لك من الوقيعة في الناس وعلم مما تقرر أنه ليس المراد إباحة ذكر عيوب الناس بل أن يشتغل بذكر عيوب نفسه فقلما يخلو عن عيب فإذا ذكرها واشتغل بمعاتبتها وتوبيخها منعه من ذكر عيوب الناس قال ذو النون: من نظر في عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه ومن اهتم بأمر الجنة والنار شغل عن القيل والقال. قال ابن عربي: فلا تداهن نفسك بإخفاء عيبك وإظهار عذرك فيصير عدوك أحظر لك في زجر نفسه بإنكارك من نفسك التي هي أخص بك فهذب نفسك بإنكار عيوبك وانفعها كنفعك لعدوك فإن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ. قال: ومن عيب الناس بما يكرهون وإن كان حقا دل على جهله وسوء طباعه وقلة حيائه من الله تعالى فإنه قلما سلم في نفسه من عيب فلو اشتغل -[273]- بالنظر في عيوب نفسه شغله ذلك عن عيوب غيره ومن تتبع أمور الناس اشتغل بما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه <تنبيه> قال في الحكم: تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير لك من تطلعك إلى ما حجب عنك من الغيوب
(الرافعي) إمام الدين (في تاريخ قزوين عن ابن عباس) ورواه البخاري في الأدب المفرد عنه موقوفا وكذا البيهقي في الشعب