كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 1)

465 - (إذا أقبل الليل) يعني ظلمته (من ههنا) أي من جهة المشرق إذ الظلمة تبدو منه (وأدبر النهار) أي ضوؤه (من ههنا) من جهة المغرب وزاد (وغربت الشمس) مع أن ما قبله كاف إيماء إلى اشتراط تحقق كمال الإقبال والإدبار وأنهما بواسطة الغروب لا غيره فالأمور الثلاثة وإن كانت متلازمة لكن قد يعرض لبعضها انفكاك فيظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة كأن يكون بمحل لا يشهد غروبها كواد فيعتمد إقبال الظلام أو إدبار الضياء فلذلك جمع بينهما (فقد أفطر الصائم) أي انقضى صومه أو تم شرعا أو أفطر حكما بدليل الاحتياج لنية الصوم للغد وإن واصل لأنه صار مفطرا حقيقة كما قيل فمن حلف لا يفطر على حار ولا بارد لا يفطر بدخول الليل على الأصح والحكم بفطره بدخوله لكونه غير حار ولا بارد غير قويم إذ هو تعلق لفظي غير مقصود للحالف ومبنى الأيمان على المقاصد العرفية وفيه رد على المواصلين. قال الطيبي: ويمكن حمل الأخبار على الإنشاء إظهارا للحرص على وقوع المأمور به أي إذا أقبل الليل فليفطر الصائم ولأن الخبرية منوطة بتعجيل الإفطار فكأنه حصل وهو مخبر عنه وأل في الصائم للجنس
(ق د ت عن عمر) بن الخطاب رضي الله عنه وله سبب مشهور وظاهر صنيعه أنه لم يخرجه أحد من الأربعة إلا ذين ولا كذلك بل رواه كما قال المناوي الكل إلا ابن ماجه
466 - (إذا اقترب) افتعل من القرب وروي تقارب (الزمان) أي دنت الساعة وقبض أكثر أهل العلم ودرست معالم الديانة بالهرج والفتن فكان الناس على مثل الفطرة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين قال القاضي اقتراب الزمان دنو الساعة إذ الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه ومن ثم قيل للقصير متقارب ويقال تقاربت الإبل إذا قلت أو أراد استواء الليل والنهار عند انطباق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع فلا يكون في المنام أضغاث أحلام فإن من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على بعض ومن ثم قال المعبرون أصدق الأزمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الأزهار وإدراك الثمار واستواء الليل والنهار وعند ذلك تصح الأمزجة وتصح الحواس أو أراد بتقارب الزمان حين تكون السنة كشهر للهنا وبلوغ المنى وبسط العدل زمن المهدي وذلك زمن يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه ذكره الزمخشري قال ويعضد الأول قوله (لم تكد رؤيا الرجل المسلم) في منامه (تكذب) أي لا تكون إلا صادقة لأن المغيبات تنكشف حينئذ والخوارق تظهر ولأن أكثر العلم يقبض بقبض العلماء وتندرس معالم الدين فيكون في الرؤيا الصادقة حينئذ بعض غنى ولو كان المراد بالاقتراب الاعتدال لما قيده بالمسلم وقيل المراد إذا اقترب أجل الإنسان بمشيبه فإن رؤياه قلما تكذب لصفاء باطنه ونزوع الشهوات عنه فنفسه حينئذ لمشاهدة الغيب أميل وقوله لم تكد رؤيا المسلم تكذب مبالغة في لم تكذب أي لم تقرب أن تكذب -[292]- فضلا عن أن تكذب ومنه قول ذي الرمة:
إذا غير الدهر المحبين لم يكد. . . رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي لم يقرب من البراح فما باله يبرح ذكره الزمخشري اختلف في خبر كاد المنفي والأظهر أنه يكون أيضا منفيا لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه في نفسه ويدل عليه قوله تعالى {إذا أخرج يده لم يكد يراها} قال القاضي: وأول الأقوال هو الأصح لأنه جاء في رواية أخرى إذا كان آخر الزمان (وأصدقهم) أي المسلمون المدلول عليهم بلفظ المسلم (رؤيا أصدقهم حديثا) أي قولا ولفظ رواية مسلم فيما وقفت عليه في نسخ صحيحة أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا وذلك لأن من كثر صدقه تنور قلبه وقوي إدراكه فانشقت فيه المعاني على وجه الصحة والاستقامة وظاهره أنه على إطلاقه وقيل يكون آخر الزمان عند ارتفاع العلم وموت الصلحاء فجعل جبرا وعوضا والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته إياها ذكره النووي وقد قال بعض العارفين ولما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أصدق الناس كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فكان لا يحدث بحديث عن تزوير يزوره في نفسه بل يحدث بما يدركه بإحدى قواه الحسية أو كلها ما كان يقول ما لم يكن ولا ينطق في اليقظة عن شيء تصوره في الخيال ما لم ير لتلك الصورة عين في الحس
(ق هـ) في الرؤيا (عن أبي هريرة)

الصفحة 291