كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 1)

-[296]- 476 - (إذا أكل أحدكم طعاما) أي تناول شيئا لشبعه ومثل الأكل الشرب بدليل خبر الديلمي إذا أكلت طعاما أو شربت فقل بسم الله وبالله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء يا حي يا قيوم لم يصبك منه داء ولو كان فيه سم (فليذكر) ندبا عند الشافعية ولو حائضا أو جنبا (اسم الله) عليه بأن يقول بسم الله في ابتداء الأكل والأفضل البسملة بكمالها فإن اقتصر على بسم الله حصلت السنة ذكره في الأذكار قال ابن حجر: ولم أقف لما ادعاه من الأفضلية على دليل انتهى لكن يدل له خبر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم وقول الغزالي يقول مع اللقمة الأولى بسم الله ويزيد في الثانية الرحمن والثالثة الرحيم لم أر ما يدل له (فإن نسي) أو تعمد بالأولى (أن يذكر اسم الله في أوله فليقل) ولو بعد الفراغ من الأكل ليقيء الشيطان ما أكله على ما بحثه بعض مشايخنا لكنه مضعف وأخذ بظاهره جمع حنابلة فأوجبوه قالوا لصحة الخبر بلا معارض (بسم الله على) وفي رواية في (أوله وآخره) أي آكل أوله وآخره بسم الله فالجار والمجرور حال من فاعل الفعل المقدر ذكره الطيبي وفي رواية أوله وآخره بدون على وعليه قال أبو البقاء الجيد النصب فيها والتقدير عند أوله وعند آخره ويجوز جره بتقدير في أوله وآخره أي جميع أجزائه كما يشهد له المعنى الذي شرعت التسمية له وبه سقط زعم أن ذكرهما يخرج الوسط لا يقال كيف تصدق الاستعانة ببسم الله في الأول وقد خلا الأول عنها لأنا نقول الشرع جعله إنشاء استعانة في أوله وليس هذا إخبارا حتى يكذب وبه يصير المتكلم مستعينا في أوله ويترتب عليه ما يترتب على الاستعانة في أوله وألحق الشافعي بالناسي ما لو تعمد أو جهل أو أكره وليس لقائل أن يقول الناسي معذور فمكن من تدارك ما فاته بخلاف المتعمد لأن القصد إضرار الشيطان بمنعه من طعامنا ولو نظر للعذر لمنع الشيطان من مؤاكلة الناسي ولم يحتج إلى أن يجعل له طريقا فالملحظ ليس العذر فقط
(د ت ك عن عائشة) رضي الله عنها قال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي
477 - (إذا أكل أحدكم) أي أراد أن يأكل ويحتمل جعله على ظاهره (طعاما) غير لبن (فليقل) ندبا (اللهم بارك لنا فيه) من البركة وهي زيادة الخير ودوامه (وأبدلنا) بفتح الهمزة (خيرا) اسم تفضيل وأصله أخير فلا يراد أنها ليست على وزن أفعل (منه) من طعام الجنة أو أعم فيشمل خير الدارين ويؤيده أن النكرة في سياق الدعاء تعم وإن كانت للإثبات (وإذا شرب) أي تناول (لبنا) ولو غير حليب وعبر بالشرب لأنه الغالب (فليقل) ندبا (اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) ولا يقل خيرا منه لأنه ليس في الأطعمة خير منه (فإنه ليس بشيء يجزئ) بضم أوله أي يكفي يقال جزأت الإبل بالرطب عن الماء اكتفت (من الطعام والشراب إلا اللبن) يعني لا يكفي في دفع العطش والجوع معا شيء واحد إلا هو لأنه وإن كان بسيطا في الحس لكنه مركب من أصل الخلقة تركيبا طبيعيا من جواهر ثلاث جبنية وسمنية ومائية فالجبنية باردة رطبة مغذية للبدن والسمنية معتدلة في الحرارة والرطوبة ملائمة للبدن الإنساني الصحيح كثيرة المنافع والمائية حارة رطبة مطلقة للطبيعة مرطبة للبدن فلذلك لا يجزئ من الطعام غيره وهو أفضل من العسل على ما عليه السبكي وألف فيه لكن عكس بعضهم وجمع ابن رسلان بأن الأفضل من جهة التغذي والري اللبن والعسل أفضل من حيث جموم المنافع والحلاوة وقضية الحديث أيضا أن اللبن أفضل من اللحم ويعارضه الخبر الآتي أفضل طعام أهل الدنيا والآخرة اللحم <تنبيه> سيأتي في خبر اللبن فطرة قال القرطبي يعني بها فطرة -[297]- دين الإسلام كما قال تعالى {فطرة الله} الآية ثم قال {ذلك الدين القيم} وقد جعل الله ذلك لجبريل علامة على هداية هذه الأمة لأن اللبن أول ما يتغذى به الإنسان وهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجساد ولذلك آثره المصطفى صلى الله عليه وسلم على الخمر ليلة الإسراء ودين الإسلام كذلك بل هو أول ما أخذ على بني آدم وهو كالذر ثم هو قوت الأرواح به قوامها الأبدي وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته فكان العدول عنه إلى الخمر لو وقع علامة على الغواية وقد أعاذ الله تعالى نبيه من ذلك طبعا وشرعا
(حم د ت) وقال حسن (هـ هب عن ابن عباس) رضي الله عنه قال كنت عند ميمونة فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه خالد فجاؤوا بضبين مشويين فتبزق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال خالد: أخالك تقذره فقال: أجل ثم أتى بلبن فذكره وظاهر صنيع المؤلف رحمه الله أن ما ذكر جميعه هو لفظ الحديث والأمر بخلافه فقد ذكر الصدر المناوي عن الخطابي أن قوله فإنه إلى آخره من قول مسدد لا من تتمة الحديث

الصفحة 296