كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 1)

485 - (إذا التقى) من اللقاء قال الراغب: وهو مقابلة الشيء ومصادفته معا وقد يعبر به عن كل منهما قال الإمام: اللقاء أن يستقبل الشيء قريبا منه (المسلمان بسيفيهما) فيضرب كل منهما الآخر قاصدا قتله عدوانا بغير تأويل سائغ ولا شبهة فالمراد أنهما التقيا يتقاتلان بآلة القتال سيفا أو غيره وإنما خص السيف لأنه أعظم آلاته وأكثرها استعمالا (فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل) بالفاء جواب إذا (والمقتول في النار) إذا كان قتالهما على عداوة دنيوية أو طلب ملك ونحوه ومعنى في النار أن حقهما أن يكونا فيها وقد يعفو الله (قيل) أي قال أبو بكرة رواية لما استغرب ذلك من جهة عدم تعدي المقتول (يا رسول الله هذا القاتل) يستحق النار (فما بال المقتول) أي فما ذنبه حتى يكون فيها (قال) صلى الله عليه وسلم (إنه) أي المقتول (كان حريصا على قتل صاحبه) أي جازما بذلك مصمما عليه حال المقاتلة فلم يقدر على تنفيذه كما قدر صاحبه القاتل فكان كالقاتل لأنه في الباطن قاتل فكل منهما ظالم متعد ولا يلزم من كونهما في النار كونهما في رتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط وأفاد قوله حريصا أن العازم على المعصية يأثم وأن كلا منهما كان قصده القتل كما تقرر لا الدفع عن نفسه فلو قصد أحدهما الدفع فلم يندفع إلا بقتله فقتل هدر المقتول لا القاتل وخرج بقولنا بلا تأويل ما لو كان به كقتال علي وطلحة فإن كلا منهما لديانته وفرط صيانته كأن يرى أن الإمامة متعينة عليه لا يسوغ له تركها <تنبيه> عدوا من خصائص هذه الأمة جواز دفع الصائل وكانت بنو إسرائيل كتب عليهم أن الرجل إذا بسط يده إلى رجل لا يمتنع منه حتى يقتله قاله مجاهد وغيره
(حم ق د ن عن أبي بكرة) الثقفي (هـ عن أبي موسى) الأشعري
486 - (إذا التقى المسلمان) الذكران أو الأنثيان أو ذكر وأنثى هي حليلته أو محرمه (فتصافحا) وضع كل منهما يده في يد الآخر عقب تلاقيهما بلا تراخ بعد سلامهما زاد الطبراني وضحك أي تبسم كل منهما في وجه صاحبه (وحمدا الله) بكسر الميم (واستغفرا) الله أي طلبا منه المغفرة كل لنفسه ولأخيه (غفر) الله (لهما) زاد أبو داود قبل أن يتفرقا المراد الصغائر قياسا على النظائر فيندب لكل مسلم إذا لقي مسلما وإن لم يعرفه السلام عليه ومصافحته. قال ابن رسلان: ولا تحصل السنة إلا بتلاقي بشرة الكفين بلا حائل ككم انتهى وفيه وقفة والظاهر من آداب الشريعة تعيين اليمنى من الجاني لحصول السنة فلا تحصل باليسرى في اليسرى ولا في اليمنى واستثنى العبادي من ندب المصافحة نحو أمرد جميل فتحرم مصافحته أي إن خاف فتنة ونحو مجذوم وأبرص فتكره
(د عن البراء) بن عازب رضي الله عنه رمز المؤلف لحسنه وليس كما قال فقد قال المنذري إسناده مضطرب وفيه ضعف
487 - (إذا التقى المسلمان فسلم أحدهما على صاحبه) أي مشاركة في الدين (كان أحبهما إلى الله) أي أكثرهما ثوابا عنده وأحظاهما لديه (أحسنهما بشرا) بكسر الموحدة طلاقة وجه وفرح وحسن إقبال (بصاحبه) لأن المؤمن عليه سمة الإيمان ووقاره وبهاء الإسلام وجماله فأحسنهما بشرا أفهمهما لذلك وأغفلهما عن الله أغفلهما عما من الله به عليهما ولأن المؤمن ظمآن للقاء ربه شوقا إليه فإذا رأى مؤمنا نشط لذلك روحه وتبسم قلبه بروح ما وجد من آثار مولاه فيظهر -[301]- بشره فصار أحب إلى الله بما له من الحظ منه (فإذا تصافحا أنزل الله عليهما مئة رحمة للبادئ) بالسلام والمصافحة (تسعون وللمصافح) بفتح الفاء (عشرة) وذلك لأن المصافح كالبيعة لأن من شرط الإيمان الأخوة والولاية {إنما المؤمنون إخوة} {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فإذا لقيه فصافحه فكأنه بايعه على هاتين الخصلتين ففي كل مرة يلقاه يجدد بيعة فيجدد الله له ثوابها كما يجدد ثواب المصيبة بالاسترجاع وكما يجدد للحامد على النعمة ثوابا على شكرها فإذا فارقه بعد مصافحته لم يخل في أثناء ذلك من خلل فيجدد عند لقائه فالسابق إلى التجديد له من المئة تسعون لاهتمامه بشأن التمسك بالأخوة والولاية ومسارعته إلى تجديد ما وهى وحثه على ذلك وحرصه عليه <تنبيه> قال السمهودي أخذا من كلام الغزالي والحليمي أن معنى سلام عليكم أحييكم بالسلامة الكاملة من جميع معاطب الدارين وآفاتهما مع الأمن والمسالمة محيطة بكم من جميع جهاتكم إكراما لكم بحيث لا يكون لشيء من ضد ذلك سبيل عليكم فإني مسالم لكم بكل حال ظاهرا وباطنا فلا يصلكم مني أذى فقد طلبت لكم تلك السلامة الموصوفة من السلام الذي هو المالك تسليم عباده والمسلم لهم وصاحب السلامة لا معطي في الدارين غيره ولا مرجوا فيهما إلا خيره
(الحكيم) في نوادره (وأبو الشيخ [ابن حبان] ) في الثواب (عن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال المنذري: ضعيف انتهى وظاهر حال المصنف أنه لم يره مخرجا لأشهر من هذين وهو عجيب فقد رواه البزار عن عمر بهذا اللفظ. قال الهيتمي: وفيه من لم أعرفه انتهى فرمز المصنف لحسنه غير حسن إلا أن يريد لاعتضاده فقد رواه الطبراني بسند أحسن من هذا بلفظ: إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا إلى آخره

الصفحة 300