505 - (إذا باتت المرأة) أي دخلت في المبيت يعني أوت إلى فراشها ليلا للنوم حال كونها (هاجرة) بلفظ اسم الفاعل وهو ظاهر وفي رواية مهاجرة وليس لفظ المفاعلة على ظاهره بل المراد أنها هي التي هجرت وقد يأتي لفظها ويراد به نفس الفعل وإنما يتجه عليها اللوم إذا بدأت بالهجر فغضب (فراش زوجها) بلا سبب بخلاف ما لو بدأ بهجرها ظالما لها فهجرته كذلك (لعنتها الملائكة) الحفظة أو من وكل منهم بذلك أو أعم ويرشد إلى التعميم قوله في رواية مسلم الذي في السماء إن كان المراد به سكانها ثم هذا مقيد بما إذا غضب الزوج عليها كما تقرر بخلاف ما لو ترك حقه ثم لا تزال تلعنها في تلك الليلة (حتى تصبح) أي تدخل الصباح لمخالفتها أمر ربها بمشاقة زوجها وخص الليل لأنه المظنة لوقوع الاستمتاع فيه فإن وقع نهارا لعنتها حتى تمسي بدليل قوله في رواية حتى ترجع. قال في الكشاف: البيتوتة خلاف الظلول وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم وليس الحيض عذرا إذ له حق التمتع بما فوق الإزار ذكره النووي وبه علم أن قول ابن أبي جمرة: الفراش كناية عن الجماع ليس في محله وليس المراد باللعن اللغوي الذي هو الطرد والبعد عن رحمة الله لأنه لا يجوز على مسلم بل العرفي وهو مطلق السب والذم والحرمان من الدعاء لها والاستغفار إذ الملائكة تستغفر لمن في الأرض كما جاء به القرآن فتبيت محرومة من ذلك وفيه أن سخط الزوج يوجب سخط الرب وإذا كان هذا في قضاء الشهوة فكيف به في أمر دينها وأن الملائكة تدعوا على العصاة وأن دعاءهم من خير أو شر مقبول لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم خوف بذلك وأن السنة أن يبيت الرجل مع أهله في فراش واحد ولا يجري على سنن الأعاجم من كونهم لا يضاجعون نساءهم بل لكل من الزوجين فراش فإذا احتاجها يأتيها أو تأتيه
(حم ق) في النكاح (عن أبي هريرة) رضي الله عنه
506 - (إذا بال أحدكم) أي شرع في البول والمراد به مس الذكر عند الاستبراء منه ولا يصح كون بال بمعنى فرغ إذ -[310]- يكون معناه النهي عن مس الذكر باليمين في الاستنجاء ولا يصح إذ يصير حينئذ قوله بعده وإذا دخل الخلاء فلا يتمسح تكرارا ذكره العراقي (فلا يمس ذكره بيمينه) تكريما لليمين فيكره مسه بها بلا حاجة تنزيها عند الشافعية وتحريما عند الحنابلة والظاهرية تمسكا بظاهر النهي وافهم تقييده المس بحالة البول عدم كراهته في غير تلك الحالة وبه أخذ بعضهم فقال: ووجه التخصيص أن مجاور الشيء حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته في تلك الحالة ولا ينافيه ما في مسلم والترمذي والنسائي من إطلاق النهي لوجوب حمل المطلق على المقيد فإن الحديث واحد والمخرج واحد لا خلاف في حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة انتهى لكن الأصح كما قال النووي لا فرق بين حالة الاستنجاء وغيرها ولا يلزم منه ترك حمل العام على الخاص إذ لا محذور فيه هنا لأن ذلك محله إذا لم يخرج القيد مخرج الغالب ولم يكن العام أولى بالحكم وإنما ذكر حالة الاستنجاء في الحديث تنبيها على ما سواها لأنه إذا كره المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة الحاجة فغيره أولى ولأن الغالب أنه لا يحصل مس الذكر إلا في تلك الحالة فخصت بالذكر لغلبة حضورها في الذهن وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له والحق أن هذا من ذكر بعض أفراد العموم لا من المطلق والمقيد لأن الأفعال في حكم النكرات والنكرة في سياق النفي نعم والحديث لا يشمل النساء لأن لفظ أحد هنا بمعنى واحد فلو أريد المؤنث لقيل إحدى لكنهن ملحقات بهم قياسا لأن علة النهي إكرام اليمين وصونها عن النجس والقذر ومحله وهو موجود في الأنثى والمنهي عنه المس بغير حائل فلو مس ذكره به لم يكره لأن لم يسمه حقيقة بل الثوب والدبر كالذكر بل أولى فإن الذكر يحتاج لمسه في نحو الاستبراء بخلاف الدبر ووهم الطيبي وخرج بإضافة الذكر إلى البائل ذكر غيره فيحرم مسه مطلقا إلا في الضرورة <تنبيه> استشكل النهي عن مس الذكر بيمينه وعن الاستنجاء بها بأنه متعذر لأنه إن أمسك ذكره بيساره استنجى بيمينه وإن استنجى بيساره أمسك ذكره بيمينه فوقع في منهي بكل حال وأجيب بأنه يمسك الحجر بيمينه والذكر بيساره ويمسحه عليه ولا يحرك اليمين (وإذا دخل الخلاء) أي فبال أو تغوط (فلا يتمسح) أي يستنجي (بيمينه) بل يفعل ذلك بيساره لأن اليمين لما شرف وعلا واليسار لما خس ودنا ولأنه إذا باشر النجاسة بها فقد يذكر عند تناول الطعام ما باشر بيمينه فينفر طبعه. وعلم بما تقرر أن معنى لا يتمسح بيمينه لا يجعلها آلة لاستعمال الماء والحجر الذي يستنجى به فإنه مكروه تنزيها أو تحريما على ما تقرر أما الاستنجاء بها بمعنى جعلها بمنزلة الجامد فحرام غير مجزئ بها وباليسار بل وسائر أجزائه كما هو بين والنهي عن التمسح بها يشمل الفرجين (وإذا شرب فلا يتنفس) جملة خبرية مستقلة إن كانت لا نافية ومعطوفة إن كانت ناهية لكن لا يلزم من كون المعطوف عليه مقيدا بقيد كون المعطوف مقيدا به لأن التنفس لا يتعلق بحالة البول بل حكم مستقل. وحكمة ذكره هنا أن غالب أخلاق المؤمنين التأسي بأفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد كان إذا بال توضأ وثبت أنه شرب فضل وضوئه والتنفس في الإناء خاص بحالة الشرب (في) داخل (الإناء) أي لا يخرج نفسه فيه بل يفصل القدح عن فيه ثم يتنفس لئلا يتقذر الماء أو نحوه به وليأمن خروج شيء تعافه النفس من الفم وكل ذي رئة يتنفس بالمعنى المذكور. واعلم أن هذا لفظ الجماعة ولفظ أبي داود وحده وإذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا فيكره الشرب بنفس واحد تنزيها لأنه إذا استوفى شربه نفسا واحدا تكابس الماء في موارد حلقه وأثقل معدته فلهذا جاء في حديث يأتي الكباد من العب فإذا قطع شربه في أنفاس ثلاثة كان أنفع وأخف ولا منافاة بين هذا وحديث أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا لأن المنهي التنفس في نفس الإناء وأما خارجه فلا نزاع في ندبه نقله الولي العراقي عن ابن المنذر
(حم ق 4 عن أبي قتادة) الأنصاري واسمه الحارث أو النعمان أو عمرو بن ربعي