620 - (إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتحول وليتفل عن يساره ثلاثا) أي وليبصق بصقا خفيفا بلا ريق من جهته اليسرى ثلاث مرات. قال في الصحاح: التفل شبيه بالبصق وهو أقل منه أوله البزاق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ قال الزركشي: جاء في رواية فليتفل وفي أخرى ينفث وفي أخرى: يبصق وبينهما تفاوت فينبغي فعل الكل لأنه زجر للشيطان فهو من باب رمي الجمار (وليسأل الله من خيرها) أي الرؤيا (وليتعوذ بالله من شرها) أمره في هذا الخبر وما قبله بأربعة أشياء: التحول والاستعاذة والتفل والكتم متى فعل ذلك لم تضره: بل ذلك دافع لشرها (فإن قلت) قدم في الخبر قبله البصق فالاستعاذة فالتحول وهنا قدم التحول وأخر التعوذ فهل من حكمة؟ (قلت) أجل وهي الإشارة إلى أنه كيف فعل كفى فإن عدم اقتضاء الواو للترتيب غير متفق عليه فدفع ما عساه يتوهم لتخالف النظم. وفي رواية لمسلم: إذا رأى أحدكم ما يكره فليصل: أي لتكمل الرغبة ويصح الطلب فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد قال القرطبي: وليس هذا مخالفا لقوله هنا: فليتحول وليتفل إلخ وإنما الأمر بالصلاة زيادة ينبغي إضافتها إلى ما في هذا الحديث فليفعل الكل وقد يقال اقتصر على الصلاة لتضمنها جميع تلك الأمور لأنه إذا قام للصلاة تحول عن جنبه وإذا توضأ تمضمض فنفث وبصق وإذا أحرم تعوذ ودعا وتضرع لله في حال هي أقرب إجابة أه ومتى فعل ما أمر به مما تقرر لم يضره ببركة الصدق والتصديق والامتثال: وفائدة ذلك أن لا يشغل الرائي نفسه برؤية ما يكره وأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه <تنبيه> قال الحكيم الترمذي: التفل الذي أمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم واصل إلى وجه الشيطان واقع عليه فالتفل مع تعوذ الرائي بالله يرد الذي جاء به من النزعة والوسوسة كالنار إلى وجهه فيحترق فيصير قروحا ورد عن الربيع بن خيثم أنه قص عليه رؤيا منكرة فأتاه رجل وقال رأيت في النوم رجلا يقول أخبر الربيع بأنه من أهل النار فتفل عن يساره وتعوذ فرأى ذلك الرجل في الليلة الثانية أن رجلا جاء بكلب فأقامه بين يديه وفي عنقه حبل وبجبهته قروح فقال هذا ذلك الشيطان وهذه القروح تلك النفثات التي نفثتها في وجهه الربيع
(هـ عن أبي هريرة) وهذا الحديث في نسخ لا تحصى ولم أره في نسخة المؤلف التي بخطه
621 - (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها) بأن يقول الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحبه قال ذلك (وليحدث بها) غيره (وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي) أي الرؤيا (من الشيطان) ليحزنه ويشوش عليه فكره ليشغله عن العبادة فلا يخبر بها ولا يشتغل بها. قال النووي: جعل ما هو علامة عل ما يضر منتسبا للشيطان مع أن الله هو خالق للرؤيا مجازا لحضوره عندها لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء. وقيل: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف وإضافة المكروهة إلى الشيطان لأنه يرضاها (فليستعذ بالله) من شرها وشر الشيطان (ولا يذكرها لأحد) فإنه ربما فسرها تفسيرا مكروها على ظاهر -[351]- صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك بتقدير الله (فإنها لا تضره) فإنه تعالى جعل فعله من النعوذ والتفل وغيره سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع البلاء. قال ابن عربي: من حافظ على ما ذكره في هذا الحديث من الاستعاذة والكتم يرى برهانه فإن كثيرا من الناس وإن استعاذ يتحدث بما رآه فأوصيك أن لا تفعل. وقال بعضهم: محصل الحديث أن الرؤيا الصالحة آدابها ثلاثة: حمد الله وأن يستبشر بها وأن يتحدث بها لمن يحب لا لغيره وآداب الحلم الرديء أربعة: التعوذ من شره وشر الشيطان. ويتفل حين ينتبه ولا يذكرها لأحد. واستثنى الداودي من نوم ما يكره ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها قد تقع إنذارا كما تقع تبشيرا وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي فلا يشرع التعوذ إذا عرف أنها صادقة بدليل ما رآه المصطفى صلى الله عليه وسلم من البقر التي تنحر وثلم ذباب سيفه لكن لا يلزم من ترك التعوذ ترك التحول والصلاة فقد يكون سببا لدفع مكروه الإنذار مع حصول مقصوده على أن المنذرة قد ترجع لمعنى المبشرة <تنبيه> قال بعضهم: يسن لمن رأى رؤيا من المبشرات أن يقول ما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم لما رأى في المنام أن جبريل لما أتاه بعائشة في سرقة حرير بيضاء وقال له هذه زوجتك فلما قصها على أصحابه قال إن يكن من الله يمضه فأتى بالشرط لسلطان الاحتمال الذي يعطيه مقام النوم وحضرة الخيال فكان كما رأى. قال بعض العارفين: الأدب يعطي أن يقول ذلك وما قلته قط إلا وخرجت كفلق الصبح
(حم خ ت عن أبي سعيد) وهذا الحديث في نسخ كثيرة وليس في خط المؤلف