كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 1)

643 - (إذا رأيتم العبد) المؤمن قد (ألم) بالتشديد أي أنزل (الله به الفقر والمرض) ظاهره أن المصافاة الآتية إنما تترتب على هذين معا فإن ألم به أحدهما لم يكن دليلا على المصافاة ولعل المراد خلافه وأن الواو بمعنى أو (فإن الله) أي فاعلموا أو فالشأن أن الله (يريد) أي أراد (أن يصافيه) أي يستخلصه لوداده ويجعله من جملة أحبابه لأن الفقر أشد البلاء فيفعله بعبده ليدعوه ويجأر إليه فيراه مفتقرا إليه فيجيبه إذا دعاه ويصبره إذا ابتلاه فيصير عنده من المقربين والأمراض والآلام تطهير من الآثام ويستوجب إفاضة صنوف الإنعام والإكرام
(فر عن علي) أمير المؤمنين
644 - (إذا رأيتم) النسوة (اللاتي ألقين) بالقاف أي جعلن (على رؤوسهن مثل أسنمة البعير) بعين مهملة جمع بعير وفي رواية كأسنمة البخت أي اللائي يجعلن على رؤوسهن ما يكبرها وبعظمها من الخرق والعصائب والخمر حتى تصير تشبه العمائم وأسنمة الإبل وهي جمع سنام. قال ابن العربي: وهذا كناية عن تكبير رأسها بالخرق حتى يظن الرائي أنه كله شعر وهو حرام ولذلك قال (فأعلموهن) أي أخبروهن (أنه لا تقبل لهن) ما دام ذلك (صلاة) وإن حكم لها بالصحة كمن صلى في ثوب مغصوب بل أولى لأن فاعل ذلك ارتكب حراما واحدا وهو الغصب وهن ارتكبن عدة محرمات: التشبه بالرجال والاسراف والاعجاب وغيرها وهذا من علامات نبوته إذ هو إخبار عن غيب وقع ودام وفي رواية لا يدخلن الجنة قال القاضي: ومعناه أنهن لا يدخلنها ولا يجدن ريحها حتى يدخلها ويجد ريحها العفائف المتورعات لا أنهن لا يدخلن الجنة أبدا لقوله في الخبر المار وإن زنى وإن سرق قال ابن العربي: فعلى النساء أن يصغرن رؤوسهن سيما عند الخروج فإن كان شعرها كثيرا أرسلته ولا تعظمه فإن كان بها ألم في رأسها فأكثرت لأجله من الخمر لم تدخل في الوعيد ولم يكن عليها حرج وإنما الحرج على من نظر إليها وظن ذلك
(طب) وكذا البزار (عن أبي شقيرة) بفتح الشين المعجمة التميمي قال الهيتمي: فيه حماد بن يزيد عن مخلد بن عقبة ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات وقال ابن عبد البر في إسناده نظر
645 - (إذا رأيتم) في نواحي السماء (عمودا أحمر) أي خطا يشبه العمود الأحمر يظهر (من قبل) بكسر ففتح أي من جهة (المشرق في شهر رمضان) فإن ذلك علامة الجدب والقحط (فادخروا) أمر إرشاد (طعام سنتكم) أي قوت عيالكم تلك السنة التي مبدؤها ظهور ذلك لتطمئن قلوبكم وذلك لا ينافي التوكل بدليل ادخار سيد المتوكلين المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قوت عياله سنة (فإنها سنة جوع) يجوز أن يكون ظهور ذلك علامة للقحط في تلك السنة -[362]- ولا أثر لظهوره فيما بعدها وهو ما عليه ابن جرير ويحتمل أنه كلما ظهر في سنة كانت كذلك ثم هذا خطاب مشافهة فيحتمل أن يكون خاصا بأهل الحجاز وأن الجوع يكون في إقليمهم فقط ويحتمل العموم وحكمة التخصيص أنه لما كان نسخة لتقدير الأرزاق وتقديرها وإقرارها على ما اقتضاه القضاء الإلهي فيستنسخ من اللوح المحفوظ في ليلة القدر التي هي في رمضان وتسلم إلى ميكائيل الذي هو الملك الموكل بذلك كما أخرجه محيي السنة وغيره ناسب أن يكون ظهور العلامة في الشهر الواقع فيه الاستنساخ وتسليم الصحف وحكمة كون ذلك على الصورة العمودية التي هيئتها الاستطالة دون التربيع والاستدارة وغيرها من الأشكال الإشارة إلى أنه عام يكون شره مستطيرا ويكون جدبه مستمدا عسيرا وحكمة كونه أحمر أن الحمرة لون مذموم فقد نهى عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم أهل الإيمان وذلك أن الشيطان يتزين به ويؤثره على غيره من الألوان كما ورد في عدة أخبار حسان فجعل اللون المكروه المذموم علامة على حصول المكروه وموقع الهموم والغموم والعرب تسمي عام المحل السنة الحمراء وتصف سنة الجدب بالطول وعليه جرى العرف العام بين الأنام فيقال لليلة الشديدة كانت ليلة طويلة وتسمى نزع الروح من الجسد الذي هو أعظم العذاب بالحمرة فيقال هذا هو الموت الأحمر فلذلك جعل علامة سنة الجوع حمراء وفيه أنه لا بأس بادخار القوت خوف الغلاء وأنه لا ينافي التوكل لكن الكلام في ادخار غلة أرضه أو ما يشتريه لمؤنة عياله كما يأتي والإذخار بذال معجمة إعداد الطعام لوقت الحاجة والخطاب لأهل تلك الديار: أعني الأقطار الحجازية كما مر ويحتمل العموم
(طب عن عبادة بن الصامت) قال الهيتمي: فيه أم عبد الله بن خالد بن معدان ولم أعرفها وبقية رجاله ثقات انتهى وله شواهد منها ما أخرجه نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث خالد بن معدان إذا رأيتم عمودا من نار من قبل المشرق في شهر رمضان في السماء فاتخذوا من الطعام ما استطعتم فإنها سنة جوع وعن كثير بن مرة إني لأنتظر ليلة الحدثان في رمضان منذ سبعين سنة قال عبد الرحمن بن جرير هي علامة تكون في السماء يكون اختلاف بين الناس فإن أدركتها فأكثر من الطعام ما استطعت وعن عبد الوهاب بن نحت بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رمضان آية في السماء كعمود ساطع وفي شوال البلاء وفي القعدة الفناء وعن أبي هريرة مرفوعا تكون آية في شهر رمضان ومن حديث خالد بن معدان أنه سيبدو عمود من نار يطلع من قبل المشرق في شهر رمضان يراه أهل الأرض كلهم فمن أدرك ذلك فليعد لأهله طعام سنة وعن كثير بن مرة آية الحدثان في رمضان علامة في السماء بعدها اختلاف الناس فإن أدركتها فأكثر من الطعام ما استطعت قال أبو جعفر ولا يكون ذلك إلا بعد انكساف الشمس والقمر وفي ذلك العام يغار على الحاج

الصفحة 361