كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

-[106]- 1461 - (اللهم إني أعوذ) أصله أعوذ بسكون العين وضم الواو استثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى العين فبقيت الواو ساكنة أي أستجير وأعتصم (بك من جار السوء) أي من شره (في دار المقامة) الإقامة فإنه هو الشر الدائم والأذى الملازم (فإن جار البادية يتحول) فمدته قصيرة يمكن تحملها فلا يعظم الضرر فيها وفي رواية الطبراني جار السوء في دار الإقامة قاصمة الظهر وقد ينزل بسببه البلاء فيعم الصالح والطالح. قال الحرائي: والعوذ اللجأ من مخوف لكاف يكفيه
(ك عن أبي هريرة) وقال صحيح فتبعه المصنف فرمز لصحته
1462 - (اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا) أي إذا أتوا بعمل يحسن قرنوه بالإخلاص فيترتب عليه الجزاء فيستحقون الجنة فيستبشرون بها كما قال {وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} فهو كناية تلويحية (وإذا أساءوا استغفروا) أي طلبوا من الله مغفرة ما فرط منهم ومن ثم قال بعضهم: خير الذنوب ذنب أعقب توبة. وشر الطاعات طاعة أورثت عجبا والمصطفى صلى الله عليه وسلم معصوم عن الإساءة وإنما هذا تعليم للأمة أرشدهم إلى أن يأتي الواحد منهم بهذا الدعاء الذي هو عبارة عن أن لا يبتليه بالاستدراج ويرى عمله حسنا فيهلك {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وقوله من الذين إلخ أبلغ من أن يقول اجعلني أستبشر إذا أحسنت وأستغفر إذا أسأت كما تقول فلان من العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعرفة مساهمته لهم في العلم. ذكره الزمخشري
(هـ هب عن عائشة) فيه علي بن زيد بن جدعان مختلف فيه
1463 - (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى) أي نهاية مقام الروح وهي الحضرة الواحدية فالمسؤول إلحاقه بالمحل الذي ليس بينه وبينه أحد في الاختصاص والقول بأن المسؤول إلحاقه بالملائكة والملائكة الذين يسكنون أعلى عليين منع بأنه لو أراد الرفقاء بلفظ رفيق لقال الأعلين ليكون بمعنى الجماعة وبأن قدره فوق قدرهم ومحله من عليين فوق محلهم فكيف يسأل اللحوق بهم؟ نعم إن أراد به قال قائله محلهم الذي تحصل فيه مرافقتهم في الجملة ليكون يجمعهم على اختلاف درجاتهم وهو الجنة أو السماء فلا مانع
(ق ت) من حديث عبد الله بن الزبير (عن عائشة) أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت وهو مستند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول اللهم إلخ فهذا آخر ما تكلم به آخرية مطلقة وما عداه آخريته نسبية
1464 - (اللهم من ولى من أمر أمتي) أمة الإجابة ولا مانع من إرادة الأعم هنا (شيئا) من الولاية كخلافة وسلطنة وقضاء وإمارة ونظارة ووصاية وغير ذلك نكره مبالغة في الشيوع وإرادة للتعميم (فشق عليهم) أي حملهم على ما يشق عليهم أو أوصل المشقة إليهم بقول أو فعل فهو من المشقة التي هي الإضرار لا من الشقاق الذي هو الخلاف قال في العين: شق الأمر عليه مشقة أضر به (فأشقق عليه) أي أوقعه في المشقة جزاءا وفاقا (ومن ولى من أمر أمتي -[107]- شيئا فرفق بهم) أي عاملهم باللين والإحسان والشفقة (فارفق بهم) أي افعل به ما فيه الرفق له مجازاة له بمثل فعله وهذا دعاء مجاب وقضيته لا يشك في حقيقتها عاقل ولا يرتاب فقلما ترى ذا ولاية عسف وجار وعامل عيال الله بالعتو والاستكبار وإلا كان آخر أمره الوبال وانعكاس الأحوال فإن لم يعاقب بذلك في الدنيا قصرت مدته وعجل بروحه إلى بئس المستقر سقر ولهذا قالوا: الظلم لا يدوم وإن دام دمر والعدل لا يدوم وإن دام عمر وهذا كما ترى أبلغ زجر عن المشقة على الناس وأعظم حث على الرفق بهم وقد تظاهرت على ذلك الآيات والأخبار
(م) في المغازي (عن عائشة) ورواه عنها أيضا النسائي في السير وسببه أن ابن شماسة دخل على عائشة فقالت ممن أنت؟ قال من مضر. قال كيف وجدتم ابن خديج في غزاتكم؟ قال خير الأمير. قالت إنه لا يمنعني قتله أخي أن أحدثكم ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: فذكرته <تنبيه> قال في الأذكار: ظاهر الحديث جواز الدعاء على الظلمة ونحوهم وأشار الغزالي إلى تحريمه وجعله في معنى اللعن. اه. قال الحافظ: والأولى حمل كلام الغزالي على الأولى وأما الأحاديث فتدل على الجواز

الصفحة 106