كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

1465 - (اللهم إني أعوذ بك) قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه ليلتزم خوف الله وإعظامه والافتقار إليه وليقتدى به وليبين صفة الدعاء والباء للإلصاق المعنوي للتخصيص كأنه خص الرب بالاستعاذة وقد جاء في الكتاب والسنة: أعوذ بالله ولم يسمع: بالله أعوذ لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط والاستعاذة حال خوف وقبض بخلاف الحمد لله ولله الحمد لأنه حال شكر وتذكير إحسان ونعم (من شر ما عملت) أي من شر عمل يحتاج فيه إلى العفو (ومن شر ما لم أعمل) أي بأن تحفظني منه في المستقبل أو المراد شر عمل غيره {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} أو ما ينسب إليه افتراء ولم يعمله وتقديم الميم على اللام فيهما هو ما في مسلم وغيره وعكسه والواقع لحجة الإسلام في الإحياء متعقب بالرد نعم جاء في خبر مرسل
(م د ن هـ) كلهم (عن عائشة) ولم يخرجه البخاري
1466 - (اللهم أعني على غمرات الموت) شدائده جمع غمرة وهي الشدة وفي أصول صحيحة سكرات (أو) شك من الراوي وفي نسخة بالواو (سكرات الموت) جمع سكرة بسكون الكاف وهي شدة الموت الذاهبة بالعقل ذكره الزمخشري وهي تزيد على الغمرات بزيادة الألم وفي رواية لابن أبي الدنيا اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والأنامل اللهم أعني على الموت وهونه علي. وقال ابن عربي: السكر الضيق المانع من الإطلاق في التصرفات فالمراد ضيق الموت وكربه. قال الراغب: والسكر حالة تعرض بين المرء وقلبه وأكثر ما يستعمل في الشراب وقد يعتري من الغضب والعشق والألم أي والأخير هو المراد هنا. قال القرطبي: تشديد الموت على الأنبياء تكميل لفضائلهم ورفع لدرجاتهم وليس نقصا ولا عذابا
(ت هـ ك) وكذا النسائي في يوم وليلة كلهم (عن عائشة) قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموت وعنده قدح ماء وهو يدخل يده فيه ثم يمسح وجهه ويقول ذلك وقال ابن العربي: إن الباري بقدرته وحكمته يخفف إخراج الروح ويشدده بحسب حال العبد فتارة يشدده عذابا وذلك على الكافر وتارة كفارة وذلك على المذنب وتارة رفعة درجات وزيادة حسنات وذلك في الولي وتارة حجة على الخلق وتسلية وقدوة وأسوة كما لقي المصطفى صلى الله عليه وسلم منه
1467 - (اللهم زدنا) من خير الدارين: أي من العلوم والمعارف (ولا تنقصنا) أي لا تذهب منا شيئا (وأكرمنا) بالتقوى (ولا تهنا) أصله تهوننا نقلت كسرة الواو للهاء وحذفت الواو لسكونها وسكون النون الأولى وأدغمت -[108]- الأولى في الثانية (وأعطنا ولا تحرمنا) قال القاضي والطيبي: عطف الأوامر على النواهي تأكيدا ومبالغة وتعميما وحذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ إرادة لإجرائها مجرى: فلان يعطي ويمنع مبالغة (وآثرنا) بالمد اخترنا بعنايتك وإكرامك (ولا تؤثر) تختر (علينا) غيرنا فتعزه وتذلنا: يعني لا تغلب علينا أعداءنا (وأرضنا) بما قضيت لنا أو علينا بإعطاء الصبر والتحمل والقنع بما قسمت لنا من الرزق وذلك أن الله دبر لعبده قبل أن يخلقه شأنه من الرزق والأحوال والآثار وكل ذلك مقدر مؤقت يبرزه له في وقته كما قدره والعبد ذو شهوات وقد اعتادها وتخلق بها ودبر الله لعبده غير ما تخلق به من الشهوات فمرة سقم ومرة صحة ومرة غنى ومرة فقر وعسر وذل ومكروه ومحبوب فأحوال الدنيا تتداوله لا ينفك عن قضائه والعبد يريد ما وافقه واشتهاه وتدبير الله فيه غير ذلك فإذا رزق العبد الرضا بالقضاء استقام قلبه فترك جميع إرادته لمشيئة الله ينتظر ما يبرز له من تدبيره في جميع أحواله فيتلقاه بانشراح قلب وطيب نفس فيصير راضيا مرضيا والمصطفى صلى الله عليه وسلم أعظم من رزق الرضا وليس للشهوات
ولا للشيطان عليه سلطان وإنما ذكر ذلك على طريق الإرشاد والتعليم للأمة وقال الطيبي: ويلوح من هذا الدعاء تباشير الإرادة والاستبشار والفوز بالمباغي ونيل الفلاح في الدنيا والعقبى. ولعمري إنه من جوامع الكلم (وارض عنا) بما نقيم من الطاعة القليلة التي في جهدنا. قال بعض الأكابر: من أيقن بحسن اختيار الله له لم يسره أن يكون على غير الحال التي هو عليها فكل راض مرضي عنه فاقتضت هذه السنة العلمية مضمون قوله تقدس {ارجعي إلى ربك راضية مرضية} فمن رجعت إلى ربه معرفته وذهبت نكرته اطمئن في الأوقات وغنم في مقاومة مقابلاتها الرضى واستقر في جنته وقته فكان هذا حاله عاجلا وذاك خطابه آجلا فقال الراغب: منزلة الرضى أشرف المنازل بعد النبوة فمن رضي عن الله فقد رضي الله عنه لقوله تعالى {رضي الله عنهم ورضوا عنه} فجعل أحد الرضاءين مقرونا بالآخر فمن بلغ هذه المنزلة فقد عرف خساسة الدنيا واطلع على جنة المأوى وخطب مودة الملأ الأعلى وحظي بتحيتهم المعينة بقوله {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}
(ت ك) في الدعاء (عن عمر) بن الخطاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فذكره. صححه الحاكم

الصفحة 107