كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

-[162]- 1583 - (إليك) لا لغيرك كما يؤذن به تقديمه (انتهت الأماني) جمع أمنية وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل من منا إذا قدر ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى. وقيل هي توقع القلب أمرا يرجو حصوله (يا صاحب العافية) هكذا أورد المصنف هذا الحديث بهذا اللفظ كما في هذا الموضع ولعل إيراده هكذا ذهول أو سبق قلم فإن لفظ الحديث كما رواه القضاعي وغيره اللهم إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية فهو مصدر بلفظ اللهم والخطاب فيه لله تعالى والمعنى وقفت عليك الأمنية فلا تسأل غيرك كذا فسره به في الفردوس قال الحافظ البغدادي فانتهاؤها إليه سبحانه من وجهين أحدهما فرض التوحيد وهو أن كل متمن لا يصل إلى أمنيته إلا بإرادته سبحانه وقوله إليك إلخ أي الخواطر تبعث إلى الأسباب فتجيب فتشاهد القلوب بصفاء التوحيد عجزها فتسير الأماني عنها حتى تجاوزها إلى سببها فيعكف الهم بين يديه وهذا حال أكثر عوام المؤمنين. الثاني وهو للخواص أنهم شرعوا في قطع الأماني عن الدنيا والأخرى وسارت قلوبهم بأمانيها إلى مولاهم لما دعا {ففروا إلى الله} {وأن إلى ربك المنتهى} فلا إرادة لهم إلا في خدمته ولا تعلق لهم إلا به قوله يا صاحب العافية: أي أنت القادر على العافية من كل بلية ومن سقم وعلاقة ومن كل أمنية لا ينتهى إليها وهم. وفي الشعب عن ابن أدهم إذا أردت أن تعرف الشيء بفضله فاقلبه بضده فاذا أنت عرفت فضل ما أوتيت فاقلب العافية بالبلاء تعرف فضل العافية وقيل لبشرالحافي: بأي شيء تأكل الخبز قال: أذكر العافية وأجعلها إداما
(طس هب عن أبي هريرة) قال مخرجه البيهقي نفسه عقب تخريجه في إسناده ضعف انتهى. وقال الهيثمي عقب عزوه للطبراني: إسناده حسن
1584 - (أما) بتخفيف الميم (إن) بكسر الهمزة إن جعلت إما بمعنى حقا (1) وبفتحها إن جعلت استفتاحية (ربك يحب المدح) وفي رواية الحمد وهذا قاله للأسود بن سريع حين قال يا رسول الله مدحت ربي بمحامد ومدح وإياك فقال له أما إن إلخ
(حم خد ن ك عن الأسود بن سريع) بفتح السين التميمي السعدي صحابي نزل البصرة ومات في أيام الجمل قال الهيثمي أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح
_________
(1) هذا سهو والصواب العكس لأن إن تكسر بعد أداة الاستفتاح كقوله تعالى {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم} وتفتح بعد حقا كقول الشاعر: أحقا أن جيرتنا استقنوا. كما في مغني اللبيب والظاهر أن السهو وقع من أول ناسخ فعممت النسخ به وإلا فليس مثل هذا مما يخفى على المناوي اه
1585 - (أما إن كل بناء) من القصور المشيدة والحصون المانعة والغرف المرتفعة وهو (وبال على صاحبه) أي سوء عقاب وطول عذاب في الآخرة لأنه إنما يبنيها لذلك رجاء التمكن في الدنيا والتشبيه بمن يتمنى الخلود فيها مع ما فيه من اللهو عن ذكر الله والتفاخر والتطاول على الفقراء وقد ذم الله فاعليه بقوله {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} (إلا ما لا إلا ما لا) بد منه لوقاية حر وبرد وستر عيال ودفع لص ونحو ذلك مما لا غنى له عنه ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فرب بناء ليس وبالا على إنسان وبال على غيره والأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات
(د عن أنس) قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة مشرفة فقال ما هذه قالوا لفلان فسكت حتى جاء فأعرض عنه فشكا لأصحابه فأخبر الخبر فهدمها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرها فسأل فقالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك فأخبرناه فهدمها فذكره قال ابن حجر رجاله موثوقون إلا الراوي عن أنس وهو أبو طلحة الأسدي غير معروف وله شواهد عن وائلة عند الطبراني
1586 - (أما إن كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما كان في مسجد أو أو أو) أي أو كان في مدرسة مثلا أو كان -[163]- في رباط أو كان في خان مسبل ونحو ذلك مما يقصد به البر والإحسان كصهريج وبئر وقنطرة وحوض وغير ذلك مما قصد ببنيانه التقرب إلى الله وما عدا ذلك فهو مذموم شرعا وعرفا. مر حكيم على بناء فقيل له كيف تراه قال بناء شديد وأمل بعيد وعيش زهيد وقيل: خلق ابن آدم من تراب فهمته في التراب وخلقت المرأة من الرجل فهمتها في الرجل <تنبيه> قال الداودي: ليس الغرس كالبناء لأن من غرس ونيته طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منه ففي ذلك الفضل لا الإثم. وقال ابن حجر: لاشك أن في الغرس من الأجر من أجل ما يؤكل منه ما ليس في البناء وإن كان في بعض البناء ما فيه أجر كالذي يحصل نفعه بغير الباني فإنه يحصل للباني به الثواب
(حم هـ عن أنس) بن مالك

الصفحة 162