كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

1647 - (امش) يعني اذهب وخص المشي لكونه أولى (ميلا) ثلاثة فراسخ (عد مريضا) مسلما (امشي) بدل مما قبله (ميلين أصلح بين اثنين) رجلين أو فئتين يعني حافظ على فعل ذلك ولو كان عليك فيه مشقة كأن يمشي إلى محل بعيد فإنه قربة مؤكدة ينبغي الاعتناء بها لمزيد فضلها (امش ثلاث أميال زر أخا في الله) تعالى وإن لم يكن من النسب وبين به أن الثالث أفضل وأهم وأكد من الثاني وأن الثاني أفضل من الأول والأمر في الكل للندب فالميل للتكثير والمراد امش مسافة طويلة لعيادة المريض وامش ولو ضعفها للصلح وامش ولو ضعفيها للزيارة
(ابن أبي الدنيا) أبو بكر الفرشي (في الكتاب) فضل زيارة (الإخوان عن مكحول) الدمشقي (مرسلا) ظاهر كلام المصنف أنه لم يقف عليه مسندا وهو عجب فقد خرجه البيهقي عن أبي إمامة لكن فيه علي بن يزيد الألهاني قال البخاري منكر الحديث وعمر بن واقد متروك
1648 - (امشوا أمامي) أي قدامي (خلوا) فرغوا (ظهري للملائكة) ليمشوا خلفي وهذا كالتعليل للأمر بالمشي أمامه وبه يعرف أن غيره من الأمة ليس مثله في ذلك لفقد المعنى المعلل به ومن ثم عد ذلك من خصائصه ولهذا صرحوا بأن الطالب إذا مشى مع الشيخ فليكن أمامه بالليل وورائه نهارا إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لنحو زحمة. قال المؤلف: ومن خصائصه سير الملائكة معه حيث سار يمشون خلف ظهره
(ابن سعد) في الطبقات (عن جابر) بن عبد الله قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه امشوا إلى آخره ورواه عنه أيضا بهذا اللفظ أبو نعيم في الحلية وقال تفرد به الجارود بن يزيد عن سفيان
1649 - (امط) أزل ندبا (الأذى عن الطريق) من نحو شوك وحجر وكل ما يؤذي السالك فيه (فإنه لك صدقة) أي تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة فإنه تسبب إلى سلامة من يمر عليه من الأذى فكأنه تصدق عليه بذلك فحصل له أجر الصدقة وقد جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم الإمساك عن الشر صدقة على النفس فإماطته مندوبة ندبا مؤكدا والظاهر أن المراد الطريق المسلوك أما المهجور فليس مثله في أصل الندب أو تأكده وأنه لو كان الطريق مختصا بنحو قطاع أو حربيين أنه لا يندب فيه ذلك بل لو قيل يطلب أن يلقى فيه ما يؤذي لكان قريبا
(خد عن أبي برزة) بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة الأسلمي فضلة بن عبيد على الصحيح مات سنة ستين وكذا رواه عنه الديلمي كالطبراني
1650 - (أمك) (1) قال ابن السيد: سميت أما لأنها أصل الولد وأم كل شيء أصله كما قالوا لمكة أم القرى (ثم أمك ثم أمك) بنصب الميم في الثلاثة أي قدمها في البر يا من جئتنا تسأل عمن تبر أولا. قال الزين العراقي: هذا هو المعروف في الرواية فهو من قبيل {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} ويجوز الرفع هنا كما قرئ به ثم لكن يرجح النصب قوله الآتي ثم أباك إلا أن يقال إنه جاء على لغة القصر انتهى. والخطاب وإن كان لواحد لكنه عام وكرره للتأكيد أو إشعارا بأن لها ثلاثة أمثال ما للأب من البر لما تكابده وتعانيه من المشاق والمتاعب في الحمل والفصال في تلك المدة المتطاولة فهو -[196]- إيجاب للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكير لحقها العظيم مفردا إذ لها من الحقوق مالا يقام به كيف وبطنها له وعاء وحجرها له حواء وثديها له سقاء (ثم) قدم (أباك) فهو بعد الأم وقوله ثم أباك قال في الرياض: نصب بفعل محذوف أي ثم برأ أباك قال في رواية ثم أبوك قال: وهذا واضح وقد حكى في الرعاية الإجماع على تقديمها عليه قال ابن بطال: وهذا إذا طلبا فعلا في وقت واحد ولم يمكن الجمع وإلا وجب لأن فضل النصرة أهم ما يجب رعايته بعد فضل التربية (ثم) بعد الأب وأبيه أن علا قدم (الأقرب) منك (فالأقرب) فتقدم الأب فالأولاد فالأخوة والأخوات فالمحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات قال الزين العراقي: وجاء في حديث بعد الأب ثم أختك وأخاك وهل يؤخذ من تقديمه الأخت رجحان حقها في الصلة على الأخ كما ذكر في الأم أو هما سواء وإنما قدمها لمناسبة قوله أمك ثم أباك كل محتمل والأول أقرب وأراد بالبر ترك العقوق وكما أن العقوق له مراتب فالبر كذلك انتهى. ويؤخذ مما تقرر أن الكلام في غير النفقة أما هي فيقدم نفسه ثم زوجته ثم ولده الصغير ثم الأم ثم الأب <تنبيه> من كلامهم الأب أعرف وأشرف والأم أرحم وأرأف قال في شرح النوابغ: وحكمة كون الأم أشفق على الولد من الأب أن خروج ماء المرأة من قدامها من بين ثدييها قريبا من القلب وموضع المحبة القلب والأب خروج مائه من وراء الظهر قال الإمام المرغيناني: وإنما نسب الولد إلى الأب مع أنه خلق من مائهما لأن ماء الأم يخلق منه الحسن والجمال والسمن والهزال وهذه الأشياء لا تدوم بل تزول وماء الرجل منه العظم والعصب والعروق ونحوها وهي لا تزول في عمره فلذلك نسب إليه دونها. وقال الحكيم: إنما صيرنا الحكم للأب لأن أصل الجسد من مائه لأن العظم والعصب والعروق منه ومن الأم اللحم والدم والشعر والجلد ونحوها والعظم نحوه إذا ذهب ذهب الجسد واللحم كسوة قال تعالى {فكسونا العظام لحما} فلذلك العصوبة والولاية له دونها
(حم ت د) كلهم (عن معاوية بن حيدة) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح المهملة ابن معاوية القشيري جد بهز بن حكيم. قال الترمذي: حسن صحيح. (هـ عن أبي هريرة) قال: قلت يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة فذكره وهو في مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك أدناك
_________
(1) وسببه كما في الترمذي عن بهز بن حكيم قال حدثني أبي عن جدي قال قلت يا رسول الله من أبر قال أمك فذكره وأبر بفتح الهمزة والياء الموحدة وتشديد الراء مع الرفع أي من أحق بالبر

الصفحة 195