كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

2078 - (إن الغادر) أي المغتال لذي عهد أو أمان (ينصب) في رواية يرفع (له لواء) أي علم (يوم القيامة) خلفه تشهيرا له بالغدر وإخزاء وتفضيحا على رؤوس الأشهاد (فيقال) أي ينادي عليه في ذلك المحفل العظيم (ألا) إن (هذه غدرة فلان) أي علامة على غدرة فلان (ابن فلان) ويرفع في نسبه حتى يتميز عن غيره تمييزا تاما وظاهره أن لكل غدرة لواء فيكون للواحد ألوية بعدد غدراته وحكمة نصب اللواء أن العقوبة تقع غالبا بضد الذنب والعذر خفي فاشتهرت عقوبته بإشهار اللواء
(مالك) في الموطأ (ق د ت عن ابن عمر) بن الخطاب
2079 - (إن الغسل يوم الجمعة) بنيتها لأجلها (لسيل) أي يخرج (الخطايا) أي ذنوب المغتسل لها (من أصول الشعر استلالا) أي يخرجها من منابتها خروجا وأكده بالمصدر إشارة إلى استقصائه جميع الذنوب بحيث لا يبقى منها شيئا إلا أنه سيمر بك ما تعلم منه أن هذا ومثاله منزل على الصغائر فلا تغفل والاستلال الإخراج قال في الصحاح وغيره انسل من الهم خرج وسل السيف من غمده واستله أخرجه
(طب عن أبي أمامة) قال الهيثمي رجاله ثقات
2080 - (إن الغضب من الشيطان) بمعنى أنه المحرك له الباعث إليه ليردي الآدمي ويغويه ويبعده عن نعمة الله ورحمته (وإن الشيطان خلق) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم به (من النار) لأنه من الجان الذي قال الله تعالى فيهم {وخلق الجان من مارج من نار} وكانوا سكان الأرض قبل آدم عليه الصلاة والسلام وإبليس أعبدهم فلما عصى جعل شيطانا (وإنما تطفئ) أي تخمد (النار بالماء) لأنه ضدها (فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) ندبا مؤكدا وضوءه للصلاة وإن كان متوضئا والغسل أفضل قال الطيبي: أراد أن يقول إذا غضب أحدكم فليستعذ من الشيطان فإن الغضب من الشيطان قصور حالة الغضب ومنشأه ثم أرشد إلى تسكينه فأخرج الكلام هذا المخرج ليكون أجمع وأنفع وللموانع أزجر وأردع وهذا التصوير لا يمنع من إجرائه على الحقيقة لأنه من باب الكناية. قال ابن رسلان: وورد الأمر بالاغتسال فيحمل على الحالة التي يشتد الغضب فيها جدا وهذا تحذير شديد من الغضب ولا ينافيه قول إمامنا الشافعي من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرض فهو جبار لأن القوة الغضبية محلها القلب ومعناها غليان دمه لطلب الانتقام فمن فرط فيها حتى انعدمت بالكلية أو ضعفت أو أفرط حتى جاوز حدها الشرعي ذم ذما شديدا ومحمل كلام الشافعي الأول والحديث الثاني وسبب ذم الأول استلزامه انعدام الغيرة والحمية والأنفة مما يؤلف منه
(حم د) في الأدب (عن عطية) بفتح أوله وكسر المهملة الثانية وشد المثناة تحت ابن عروة (العوفي) صحابي نزل الشام قال في التقريب له ثلاثة أحاديث وسكت عليه هو والمنذري
2081 - (إن الفتنة) أي البلاء والشر والمحنة (تجيء فتنسف العباد نسفا) أي تهلكهم وتبيدهم واستعمال النسف في ذلك ونحوه مجاز قال الزمخشري: من المجاز نسفت الريح التراب ونسفوا البناء قلعوه من أصله (وينجو العالم منها بعمله) -[378]- الفتنة الاختبار والعلم الذي ينجي من هذه الفتنة قد يكون بأنواع فتن النفوس بأسباب الدنيا كمال ونساء وجاه فهذه أصول الفتن فتن الدنيا وقد تكون فتنة القلوب بالبدع والأهواء فيتنوع إلى بضع وسبعين فرقة كل فرقة تدعو إلى هوى وكلها في النار إلا واحدة فتجيء فتن الدنيا إلى النفوس وفتن الدين إلى القلوب فكاد يستأصل إهلاكها والعالم الناجي بعلمه العالم بالله العامل بتقواه وعلمه الذي ينجو به العلم بعظمة الله علم وجد بالقلب لا علم عقيدة فحسب علامته دوام الهيئة والخشية وثمراته تقوى الله بالعمل بالكتاب والسنة وترك الهوى أي العالم بعلم طريق الآخرة فإن الفتنة نوعان فتنة الشبهات وهي العظمى وفتنة الشهوات فالأولى من ضعف البصيرة وقلة العلم سيما إذا قارنه نوع هوى ومن هذا القسم فتنة أهل البدع فإنما ابتدعوا لاشتباه الحق عليهم بالباطل والهوى بالضلال ولو أتقنوا العلم بما بعث الله به رسوله وتجردوا عن الهوى لما ابتدعوا. والثانية: من النفس فالأول فساد من جهة الشبهات والثاني من جهة الشهوات وأصل كل منهما من تقديم الرأي على الشرع فالأول أصل فتنة الشبهة والثاني أصل فتنة الشهوة ففتنة الشبهات إنما تدفع بكمال البصيرة واليقين وفتنة الشهوات إنما تدفع بكمال العقل والصبر والدين فمن ثم كان العالم من الناجين وما عداه من الهالكين
(حل) من حديث عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن إبراهيم بن أدهم عن أبي إسحاق الهمداني عن عمارة الأنصاري (عن أبي هريرة) ثم قال غريب من حديث أبي إسحاق لم يكتبه إلا من حديث عطية

الصفحة 377