كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 2)

1395 - (أكثر ذكر الموت) في كل حال وعند نحو الضحك وعروض العجب وما أشبه ذلك آكد (فإن ذكره يسلبك) من السلو وهو الترك بلا ندامة وفي تذكرة القرطبي قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة. وقال السدي في قوله تعالى {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} أي أكثركم للموت ذكرا وله أحسن استعدادا ومنه أشد خوفا وحذرا (عما سواه) لأن من يذكر أن عظامه تصير بالية وأعضاءه متمزقة هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة وأهمه ما يجب عليه من طلب الآجلة. قال الراغب: والذكر وجود الشيء في القلب أو في اللسان: وذلك أن الشيء له أربع وجودات: وجوده في ذاته ووجوده في قلب الإنسان ووجوده في لفظه ووجوده في كتابته فوجوده في ذاته سبب لوجوده في القلب ووجوده في القلب سبب لوجوده في اللسان ولوجوده في الكتابة. وقد يقال للوجودين أي الوجود في القلب والوجود في اللسان الذكر ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن عن ذكر في القلب
(ابن أبي الدنيا) أبو بكر (في ذكر الموت) أي كتابه المصنف فيما ورد من ذلك (عن سفيان) الثوري أحد أعلام الأمة وزهادها قالوا لم ير مثله (عن شريح) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية وبالمهملة ابن الحارث القاضي (مرسلا) ولاه عمر قضاء الكوفة سمع عمرو وعليا فهو تابعي
1396 - (أكثروا ذكر هاذم) بذال معجمة قاطع أما بمهملة فمعناه مزيل الشيء من أصله (اللذات الموت) بجره عطف بيان وبرفعه مبتدأ محذوف وبنصبه بتقدير أعني. قال الطيبي: شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهاذم لئلا يستمر على الركون إليها ويشتغل عما عليه من التردد إلى دار القرار وفيه ندب ذكر الموت بل أكثريته لأنه أزجر للمعصية وأدعى للطاعة
(ت ن هـ ل هب عن أبي هريرة طس حل هب عن أنس) بن مالك (حل) عن عمر بن الخطاب
1397 - (أكثروا ذكر الله حتى يقولوا) يعني المنافقين ومن ألحق بهم فمن استولت عليهم الغفلات واستغرق في اللذات وترك الآخرة وراء ظهره وانهمك في فسقه في سره وجهره وإن مكثر الذكر (مجنون) وفي رواية لعبد بن حميد حتى يقال إنه مجنون أي لا تلتفتوا لعذلهم الناشئ عن مرض قلوبهم لعظم فائدة الذكر إذ به يستنير القلب ويتسع الصدر ويمتلئ فرحا وسرورا وشرف الذكر تابع لشرف المذكور وشرف العلم تابع لشرف المعلوم وشرف الشيء بسبب الحاجة إليه وليست حاجة الأرواح بشيء أعظم من ذكر بارئها والابتهاج به <تنبيه> قال في الأذكار لا إله إلا الله رأس الذكر ولذلك اختار السادة الأجلة من صفوة هذه الأمة أهل تربية السالكين وتأديب المريدين قول إلا إله إلا الله لأهل الخلوة وأمرهم بالمداومة عليها وقالوا أنفع علاج في ذكر الوسوسة الإقبال على ذكر الله وإكثاره وأخذ المؤلف من هذا الحديث ونحوه أن ما اعتاده الصوفية من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل -[85]- لا كراهة فيه (1) ذكره في فتاويه الحديثية وقد وردت أخبار تقتضي ندب الجهر بالذكر وأخبار تقتضي الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كما جمع النووي به بين الأحاديث الواردة بندب الجهر بالقراءة والواردة بندب الإسرار بها
(حم ع حب ك هب عن سعيد) الخدري رمز المصنف لصحته وهو فيه تابع لتصحيح الحاكم له وقد اقتصر الحافظ ابن حجر في أماليه على كونه حسنا وقال الهيثمي بعدما عزاه لأحمد وأبي يعلى فيه دراج ضعفه جمع وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات
_________
(1) هذا مردود بقوله صلى الله عليه وسلم جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم. الحديث

الصفحة 84