كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 3)

-[254]- 3324 - (تعلموا من أهل العلم ما شئتم فوالله لا تؤجروا بجمع العلم حتى تعملوا) بمقتضاه لأن العلم كالشجرة والتعبد كالثمرة فإذا كانت الشجرة لا ثمر لها فلا فائدة لها وإن كانت حسنة المنظر فينبغي مزج العلم بالتعبد لأنه ليس ثم عمر طويل غالبا حتى يترك له برهة من العلم قبل العمل فيخشى عليه أن يموت وهو في السبب قبل وصوله للمقصود وقد جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم العمل بالعلم من الأمور التي يغبط صاحبها عليها والمراتب التي يتمنى المرء الوصول إليها. " أوحى الله إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر: إياي تخادعون وبي تستهزؤون لأتيحن لكم فتنة تذر الحليم حيرانا "
(أبو الحسن بن الأحزم) بخاء معجمة وراء مهملة بضبط المصنف (المديني في أماليه عن أنس) بن مالك
3325 - (تعلموا الفرائض وعلموا الناس فإنه نصف العلم) إذ في الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت أي قسم واحد منه سماه نصفا توسعا في الكلام أو اعتبارا بحالتي الحياة والموت أو المراد أنه نصف العلم لما فيه من كثرة الغرض والتقدير والتعلقات ولا يعارضه ما في بعض الروايات من قوله فإنه من دينكم لأن من للتبعيض والجزء أعم من النصف وصدقهما ممكن ولا ينافيه الخبر الآتي العلم ثلاث: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة لأنه لم يجعله أثلاثا بل أقساما ثلاثة فيجوز أن تكون الفريضة العادلة نصف العلم والباقيات النصف الآخر (وهو ينسى) فيه كما في الكافي دلالة على أن المراد بالتعلم هنا التكرار ولا يكفي تعلمه مرة واحدة وقد سقط الوجوب عن الأمة بل المراد تعلمه بحيث لا ينسى فإنه أخبر بأنه مما ينسى وليس المراد الخبر عنه بذلك بل إنه يسرع إليه النسيان دون غيره لكثرة تشابهه فيكون قد حث على تكرار تعلمه ومداومة مدارسته فكأنه يقول تعلموا الفرائض وكرروها فإنها تنسى ومصداقه موجود فإنها أسرع العلوم نسيانا وأحوجها إلى المذاكرة والرياضة فيه بعمل المسائل وقال الماوردي: إنما حث على علم الفرائض لأنهم كانوا قريبين العهد بغير هذا التوارث ولئلا يعطل بتشاغلهم بعلم أعم منه في عباداتهم ومعاملاتهم فيؤدي إلى انقراضه (وهو أول شيء ينزع من أمتي) أي ينزع علمه منهم بموت من يعلمه وإهمال من بعدهم له. <تنبيه> قال بعضهم: قد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عن هذا العلم أنه ينسى وأنه أول ما ينسى وخبر الصادق واجب الوقوع وواجب الوقوع لا يرفعه تعلمه ولا غيره فكيف أوقعه موقع العلة للحث على تعلمه؟ وأجيب بأن تعلم العلم من حيث هو فخار في الدارين وزمن الانتزاع غيب عنا فكأنه حث على تعلمه واغتنام زمن وجوده وانتهاز الفرصة في تحصيله قبل انتزاعه فيفوت تحصيل أجره وذلك يدل على عظم شأنه فهو كخبر حجوا قبل أن لا تحجوا أي اغتنموا فرصة الإمكان والفوز بهذا الثواب العظيم قبل أن يفوت لأنه فائت
(هـ ك) في الفرائض (عن أي هريرة) قال الحافظ الذهبي: فيه حفص بن عمر بن العطاف واه بمرة وقال ابن حجر: مداره على حفص هذا وهو متروك قال البيهقي: تفرد به حفص وليس بقوي
3326 - (تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض) قال الطيبي: هذا كقوله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم} أي كوني -[255]- امرءا مثلكم علة لكوني مقبوضا لا أعيش أبدا وتمامه وأن العلم سيقبض أي بموت أهله كما تقرر وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في فريضة فلا يجدان من يفصل بينهما قال التوربشتي: ذهب بعضهم إلى أن الفرائض هنا علم المواريث ولا دليل معه والظاهر أن المراد ما افترضه الله على عباده وقيل أراد السنن الصادرة منه المشتملة على الأمر والنهي الدالة على ذلك كأنه قال تعلموا الكتاب والسنة فإني مقبوض أي سأقبض أراد به موته وخص هذين القسمين لانقطاعهما بقبضه إذ أحدهما أوحي إليه والثاني إعلام منه للأمة به
(ت) في الفرائض من حديث شهر بن حوشب (عن أبي هريرة) وقال فيه اضطراب انتهى فاقتصار المصنف على عزوه له وحذفه ما عقبه له من بيان علته غير مرضي وقضية صنيع المؤلف أيضا أن الترمذي تفرد بإخراجه من بين الستة والأمر بخلافه فقد قال الحافظ في الفتح: خرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم بلفظ تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما انتهى قال الحافظ: رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي

الصفحة 254