كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 3)

-[260]- 3342 - (تفتح) بضم الفوقية مبنيا للمفعول (اليمن) أي بلادها سمي يمنا لأنه يمين الكعبة أو الشمس أو باسم يمن بن قحطان (فيأتي قوم يبسون) بفتح المثناة التحتية أو ضمها مع كسر الموحدة أو ضمها وشد السين من البس وهو سوق بلين أي يسوقون دوابهم إلى المدينة أو معناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها (فيتحملون) من المدينة إلى اليمن (بأهليهم) أي زوجاتهم وأبنائهم (ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى اليمن وهو عطف على أهليهم والمراد أن قوما ممن يشهد فتحها إذا رأوا سعة عيشها هاجروا إليها ودعوا إلى ذلك غيرهم (والمدينة) أي والحال أن الإقامة بالمدينة (خير لهم) من اليمن لكونها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات (لو كانوا يعلمون) بفضلها وما في الإقامة بها من الفوائد الدينية والعوائد الأخروية حتى يحتقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ذكره البيضاوي وأيده الطيبي بتنكير قوم ووصفهم بكونهم يبسون ثم توكيده بقوله لو كانوا يعلمون لإشعاره بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني وأعرض عن الإقامة في جوار المصطفى صلى الله عليه وسلم ولذلك كرر قوما ووصفه في كل مرتبة بقوله يبسون استهجانا لذلك الفعل القبيح وجواب لو محذوف أي لو كانوا من العلماء لعلموا أن إقامتهم بالمدينة أولى وقد تجعل للتمني فلا جواب لها (وتفتح الشام) سمي به لكونه عن شمال الكعبة وفتح اليمن قبل الشام كما يلوح به ابتداء الخبر وللإتفاق على أنه لم يفتح شيء من الشام في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم فقول مسلم تفتح الشام ثم اليمن ثم العراق مؤول بأن الثانية للترتيب الإخباري (فيأتي قوم يبسون) بفتح أوله وضمه وكسر الموحدة وضمها (فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم) من الناس راحلين إلى الشام (والمدينة خير لهم) منها لما ذكر (لو كانوا يعلمون) بفضلها فالجواب محذوف كما في السابق واللاحق دل عليه ما قبله وإن كانت لو بمعنى ليت فلا جواب لها وكيفما كان ففيه تجهيل لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرا جسيما (وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم) راحلين إلى العراق (والمدينة خير لهم) من العراق (لو كانوا يعلمون) وهذه معجزة ظاهرة للمصطفى صلى الله عليه وسلم لإخباره بفتح هذه الأقاليم وأن الناس يتحولون إليها بأهليهم ويفارقون المدينة ولو لازموها لكان خيرا وقد كان ذلك كله على الترتيب المذكور وأما رواية تقديم فتح الشام على اليمن فمعناها أن استيفاء فتح اليمن إنما كان بعد الشام وأفاد فضل المدينة على البلاد المذكورة وهو إجماع وأن بعض البقاع أفضل من بعض
(مالك) في آخر الموطأ (ق) في الحج (عن سفيان) بتثليث السين (بن أبي زهير) قال ابن حجر: واسم أبي زهير القرد بكسر القاف الشنؤي بفتح المعجمة وضم النون وبعد النون همزة ويقال الشنأى النمري بفتح النون صحابي حديثه في البخاري
3343 - (تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم) لأن تفريغ المحل شرط لتنزلات غيث الرحمة وما لم يتفرغ المحل لم يصادف الغيث محلا ينزل فيه ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب وفضل الله لا يرده عن العبد إلا المانع الذي في قلبه من دنس الدنيا ودغلها وإذا تفرغ منها العبد وأقبل على ربه صنع له جميلا وهيأ له تدبيرا ينال به فوز العاجل والآجل وسعادة الدارين ولهذا -[261]- قال بعضهم: هذا أصل عظيم في تمهيد الطريق إلى الحق تقدير بصرف هموم الدنيا المستولية على قلوب الورى الشاغلة لهم عن الإقبال على مولاهم وهمومها كل هم ينشأ عن الهوى في لذة من لذاتها كملبس ومأكل ومنكح ومال وحشم وجاه فكل هم منها يحجب عن الله وعن الآخرة بحسب قوته وضعفه ولا طهارة للقلب إلا بالفراغ منها هما هما ولهذا قال (ما استطعتم) أي لا تتكلفوا بالتفريغ منها كلها جملة واحدة فإنه غير ممكن بل بالتدريج حسبما يعرفه خواص المسلكين وإنما يزال الشيء بضده فيستحضر بدوام الذكر وصفاء القلب هما من هموم الآخرة فيدفع هما من هموم الدنيا وينزله مكانه وهكذا لو غلب عليه الحرص يستحضر التوكل أو الأمل يستحضر قرب الأجل أو العاجل استحضر الآجل أو الحرام استحضر غضب الملك العلام وهكذا حتى يدفع بجميع همومها فيسير إلى الحق بكليته ويقبل عليه بحقيقته (فإن من كانت الدنيا أكبر همه) أي أعظم شيء يهتم به ويصرف كليته إليه (أفشى الله تعالى ضيعته) أي كثر عليه معاشه ليشغله عن الآخرة (وجعل فقره بين عينيه) لأنه إذا رأى منه إقبالا على هذه الدنيا الدنيئة والشهوة الرديئة أعرض عنه حتى يتمكن حب هذه القاذورات منه ويتعالى في الغلو فيها فيضاد أقضية الله وتدبيره فيبوء بتدبيره ومن ثم قيل: من كانت الدنيا همه كثر في الدنيا والأخرى غمه (ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل قلوب المؤمنين تفد) أي تسرع (إليه بالود والرحمة) أي من تفرغ من هموم الدنيا أقبل قلبه على الله بكليته أي حبا ومعرفة وخوفا فدل على أن هذا الإقبال ممكن وثمرته عاجلة أن يجعل الله تعالى له محبة ورحمة في قلوب خواص عباده ثم بين أثر ذلك بقوله تفد إليه بالود أي تقبل على مهماته وخدمته محبة له ثم أكد ذلك بغاية المنى فقال: (وكان الله تعالى بكل خير إليه أسرع) أي إلى حبه وكفايته ومعونته من جميع عباده ليعرف بركة فراغ قلبه ومن الخير الذي يسرع الله به إليه ما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هموم الدنيا والآخرة ومن كانت الدنيا أكبر همه تخوف بأحوالها وتقلبها ورغب في الجمع والمنع وذلك سم قاتل فمن رفض ذلك انكشف له الغطاء فوجد الله كافيا له في كل أمر فرفع باله عن التدبير لنفسه وأقبل على ملاحظة تدبير الله واستراح وسخر إليه الناس وأفاض عليه الخير بغير حساب ولا قياس
فإن امرءا دنياه أكبر همه. . . لمستمسك منها بحبل غرور
قال الغزالي: ومن الأدوية النافعة في ذلك أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم من فوات لذات الدنيا فإنها لا آخر لها ولا كدر فيها فلذات الدنيا سريعة الدثور وهي مشوبة بالمكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر وفي الإقبال على الأعمال الأخروية والطاعات الربانية تلذذ بمناجاته تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الأنس به ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاته لكفى فكيف بما يضاف إليه من النعيم الأخروي لكن هذه اللذة لا تكون في الإبتداء بل بعد مدة حتى يصير له الخير ديدنا كما كان السوء له ديدنا
(طب) وكذا في الأوسط (عن أبي الدرداء) وضعفه المنذري وقال الهيثمي: فيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب وهو كذاب اه. وكذا ذكره غيره

الصفحة 260