كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 3)

4213 - (دع ما يريبك) أي اترك ما تشك في كونه حسنا أو قبيحا أو حلالا أو حراما (إلى ما لا يريبك) أي واعدل إلى ما لا شك فيه يعني ما تيقنت حسنه وحله (فإن الصدق طمأنينة) أي يطمئن إليه القلب ويسكن وفيه إضمار أي محل طمأنينة أو سبب طمأنينة (وإن الكذب ريبة) أي يقلق القلب ويضطرب وقال الطيبي: جاء هذا القول ممهدا لما تقدمه من الكلام ومعناه إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب فارتيابك من الشيء منبيء عن كونه مظنة للباطل فاحذره وطمأنينتك للشيء مشعر بحقيقته فتمسك به والصدق والكذب يستعملان في المقال والأفعال وما يحق أو يبطل من الاعتقاد وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية المطهرة عن دنس الذنوب ووسخ العيوب اه والحاصل أن الصدق إذا مازج قلب الكامل امتزج نوره بنور الأيمان فاطمأن وانطفأ سراج الكذب فإن الكذب ظلمة والطلمة لا تمازج النور
(حم ت) في الزهد (حب عن الحسن) بن علي قال الحاكم: حسن صحيح وقال الذهبي: سنده قوي ورواه عنه أيضا النسائي وابن ماجه فما أوهمه صنيع المؤلف من تفرد الترمذي به من بين الستة غير صحيح
4214 - (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) بفتح الياء وضمها والفتح أفصح (فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله) ولهذا قال بعضهم: الورع كله في ترك ما يريب إلى ما لا يريب وفي هذه الأحاديث عموم يقتضي أن الريبة تقع في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام وإن ترك الريبة في ذلك كله ورع قالوا: وهذه الأحاديث قاعدة من قواعد الدين وأصل في الورع الذي عليه مدار اليقين وراحة من ظلم الشكوك والأوهام المانعة لنور اليقين <تنبيه> قال العسكري: لو تأملت الحذاق هذا الحديث لتيقنوا أنه قد استوعب كل ما قيل في تجنب الشبهات
(حل) من حديث أبي بكر بن راشد عن عبد الله بن أبي رومان عن ابن وهب عن مالك عن نافع عن ابن عمر ثم قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك تفرد به ابن رومان عن ابن وهب (خط) في ترجمة الباغندي من حديث قتيبة عن مالك عن نافع (عن ابن عمر) بن الخطاب وظاهر صنيع المؤلف أن مخرجه الخطيب سكت عليه والأمر بخلافه بل تعقبه بما نصه: هذا الحديث باطل عن قتيبة عن مالك وإنما يحفظ من حديث عبد الله بن أبي رومان عن ابن وهب عن مالك تفرد به واشتهر به ابن أبي رومان وكان ضعيفا والصواب عن مالك من قوله وقد سرقه ابن أبي رومان إلى هنا كلامه
4215 - (دعهن) يا ابن عتبك (يبكين) يعني النسوة التي احتضر عندهن عبد الله بن ثابت (ما دام عندهن) لم تزهق روحه بالكلية (فإذا وجب فلا تبكين باكية) قاله لما جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتبك يسكتهن فذكره فقالوا: ما الوجوب يا رسول الله قال: الموت. وأخذ الشافعي وصحبه من هذا أنه يكره البكاء على الميت بعد الموت لأنه أسف على ما فات وأنه لا كراهة فيه فبل الموت بل صرح بعض أئمة الشافعية بندبه إظهارا لكراهة فراقه
(مالك) في المؤطأ (ن ك) كلهم (عن جابر بن عتبك) بن قبس الأنصاري صحابي جليل من بني تميم
4216 - (دعهن يا عمر) بن الخطاب يبكين (فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب) بالموت فلا حرج عليهن في البكاء -[530]- أي بغير نوح وتهوه قال الطيبي: وكان الظاهر أن يعكس لأن قرب العهد مؤثر في القلب بالحزن والحزن مؤثر في البكاء لكن قدم ما يشاهد وفيه أنهن لم يزدن على البكاء النياحة والجزع اه وقضبته أنه بعد الموت غير مكروه خلاف ما اقتضاه الحديث الأول ويمكن حمل هذا على البكاء الاضطراري الذي لا يمكن دفعه إلا بمحذور يلحقه في جسده والأول على خلاف ذلك فلا تعارض
(حم ن هـ ك عن أبي هريرة) قال: مات ميت في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين فقام عمر ينهاهن ويطردهن فذكره

الصفحة 529