كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 4)

4649 - (سبعون ألفا من أمتي) يعني سبعون ألف زمرة بقرينة تعقبه في خبر مسلم بقوله زمرة واحدة منهم على صورة القمر (يدخلون الجنة بغير حساب) ولا عذاب بدليل رواية ولا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفا (هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون) ليس في البخاري ولا يسترقون قال ابن تيمية: وهو الصواب وإنما هي لفظة وقعت مقحمة في هذا الحديث وهي غلط من بعض الرواة فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوصف الذي استحق به هؤلاء دخولها بغير حساب تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقبهم (ولا يتطيرون) لأن الطيرة نوع من الشرك (وعلى ربهم يتوكلون) قدم الظرف ليفيد الاختصاص أي عليه لا على غيره وهذه درجة الخواص المعرضين عن الأسباب بالكلية الواقفين مع المسبب ولا ينظرون سواه فكمل تفويضهم وتوكلهم من كل وجه ولم يكن لهم اختيار لأنفسهم ليفعلوا شيئا منها قال المظهر: يحتمل أن يراد بقوله سبعون العدد وأن يراد الكثرة ورجح باختلاف الأخبار في المقدار فروى مئة ألف وروى مع كل واحد من السبعين ألفا سبعون ألفا وغير ذلك
(البزار) في مسنده (عن أنس) قال العلائي: حديث غريب من حديث أنس صحيح من حديث غيره وقال تلميذه الهيثمي: رواه البزار وفيه مبارك أبو سحيم وهو متروك وقال غيره: المبارك واه جدا
4650 - (سبق درهم مئة ألف درهم) قالوا: يا رسول الله كيف يسبق درهم مئة ألف قال: (رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مئة ألف فتصدق بها) قال اليافعي: فإذا أخرج رجل من ماله مئة ألف وتصدق بها وأخرج آخر درهما واحدا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة بها نفسه صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مئة ألف درهم اه وقال في المطامح: فيه دليل على أن الصدقة من القليل أنفع وأفضل منها من الكثير {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} والدرجات تتباين بحسب تباين المقاصد والأحوال والأعمال
(ن عن أبي ذر ن حب ك) في الزكاة (عن أبي هريرة) قال الحاكم: على شرط مسلم
4651 - (سبق المفردون) أي المنفردون المعتزلون عن الناس من فرد إذا اعتزل وتخلى للعبادة فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى الله أي سبقوا بنيل الزلفى والعروج إلى الدرجات العلى روي بتشديد الراء وتخفيفها قال النووي في الأذكار: والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد قالوا: وما المفردون يا رسول الله قال: هم (المستهترون) وفي رواية المشمرون (في ذكر الله) وعلى الأولى فالمراد الذين أولعوا به يقال اهتر فلان بكذا واستهتر أي مولع به لا يتحدث -[93]- بغيره ولا يفعل سواه ذكره جمع وقال الحكيم الترمذي: المستهتر هو الذي نطق عن ربه لشبه كلامه كلام من لم يستعمله عقله لأن العقل يخرج الكلام على اللسان بتدبر وتؤدة وهذا المهتر إنما نطقه كالماء يجري على لسانه حتى يشبه الهذيان في بعض الأحيان عند العامة وهو في الباطن مع الله من أصفياء الناطقين وأطهرهم وأصدقهم إلى هنا كلامه. قال البيضاوي: ولما قالوا وما المفردون ولم يقولوا من هم لأنهم أرادوا تفسير اللفظ وبيان ما هو المراد منه لا تعيين المتصفين به وتعريف أشخاصهم فعدل في الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما يقتضيه توقيفا للسائل بالبيان المعنوي على المعنى اللغوي إيجازا فاكتفى فيه بالإشارة المعنوية إلى ما استبهم عليه من الكناية اللفظية (يضع الذكر عنهم أثقالهم) أي يذهب الذكر أوزارهم أي ذنوبهم التي أثقلتهم (فيأتون يوم القيامة خفافا) فيسبقون بنيل الزلفى والعروج إلى الدرجات العلى لأنهم جعلوا أنفسهم أفرادا ممتازة بذكر الله عمن لم يذكر الله أو جعلوا ربهم فردا بالذكر وترك ذكر ما سواه وهو حقيقة التفريد هنا وقال الحكيم: المفرد هنا من أفرد قلبه للواحد في وحدانيته ولازم الباب حتى رفع له الحجاب وأوصله إلى قربه فكأنه بين يدي ربه فبه يفخر ويصول وبه يفرح ويمرح ويجول فسكنت منه الأهوال من النظر إلى الجلال والجمال فقدمه إلى الوسيلة العظمى والجزاء الأوفى فغرق قلبه في وحدانيته فصار منفردا مشغولا به عن جميع صفاته فهو أحد أعلامه في أرضه وواحده بين عبيده
(ت ك) في الدعوات (عن أبي هريرة) ورواه عنه أيضا مسلم بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا: وما المفردون قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات (طب عن أبي الدرداء) قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف

الصفحة 92