كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 5)

-[357]- 7574 - (ليس الخبر كالمعاينة) أي المشاهدة إذ هي تحصيل العلم القطعي وقد جعل الله لعباده أذانا واعية وأبصارا ناظرة ولم يجعل الخبر في القوة كالنظر بالعيان وكما جعل في الرأس سمعا وبصرا جعل في القلب ذلك فما رآه الإنسان ببصره قوي علمه به وما أدركه ببصر قلبه كان أقوى عنده وقال الكلاباذي: الخبر خبران صادق لا يجوز عليه الخطأ وهو خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحتمل وهو ما عداه فإن حمل الخبر على الأول فمعناه ليس المعاينة كالخبر في القوة أي الخبر أقوى وأكد وأبعد عن الشكوك إذا كان خبرا لصادق والمعاينة قد تخطئ فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه كما في قصة موسى والسحرة وإن حمل على الثاني فمعناه ليس المعاينة كالخبر بل هي أقوى وأكد لأن المخبر لا يطمئن قلبه وتزول عنه الشكوك في خبر من يجوز السهو عليه والغلط والحاصل أن الخبر إن كان خبرا لصادق فهو أقوى من المعاينة أو غيره فعكسه إلا أن ما ذكر في الخبر الآتي عقبه على الأثر يشير إلى أن المراد هنا الثاني
(طس عن أنس) بن مالك (خط عن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه وهو كما قال أو أعلى فقد قال الهيثمي: رجاله ثقات ورواه أيضا ابن منيع والعسكري وعد من جوامع الكلم والحكم. وقال الزركشي: ظن أكثر الشراح أنه ليس بحديث وهو حديث حسن خرجه أحمد وابن حبان والحاكم من طرق ورواه الطبراني وهو عنده بلفظ الكتاب وبلفظ ليس المعاينة كالخبر وقال في موضع آخر: رواه أحمد والحاكم وابن حبان وإسناده صحيح فإن قيل: هو معلول بقول الكامل إن هشيما لم يسمعه من أبي بشر قلت: قال ابن حبان في صحيحه: لم يتفرد به هشيم وله طرق ذكرتها في المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر
7575 - (ليس الخبر كالمعاينة) وشاهد ذلك (أن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا) من عبادته (ألقى الألواح فانكسرت) فأفاد هذا أنه لس حال الإنسان عند معاينة الشيء كحاله عند الخبر عنه في السكون والحركة لأن الإنسان لعله يسكن إلى ما يرى أكثر من الخبر عنه وإن كان صادقا عنده وكان خبر الله عند موسى ثابتا وخبره كلامه وكلامه صفته فعرف فتنة قومه بصفة الله تعالى وصفة البشرية ما تظهر عند صفة الله تعالى فلما لم تظهر لعجز البشرية وضعف الإنسانية تمسك موسى بما بيده ولم يلقه فلما عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له عاتبهم بصفة نفسه التي هي نظره ببصره ورؤيته بعينه وصفته عجز البشرية وضعف الإنسانية وتقص الخلقة فلم يطق بصفته أن يمسك ما في يده مع اضطرابها وتلفها فلما وقف على عبادتهم العجل لم يتمالك أن طرح الألواح وأخذ برأس أخيه ألا تراه لما سكن رجع إلى الله مستغفرا له ولأخيه والمصطفى صلى الله عليه وسلم ثبت ليلة الإسراء عند قاب قوسين أو أدنى وأخبر بتجلي أوصاف الحق سبحانه له بقوله وضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها ولم يثبت موسى عند تجلي ربه للجبل حتى خر صعقا لأن نبينا صلى الله عليه وسلم كان قائما بأوصاف الحق وأوصافه التي هي عجز البشرية فانية منه خافية ساقطة عنه ليس لها أثر في وقته وموسى كان ناظرا بصفة الإنسانية إلى الجبل ألا تراه قيل له: {انظر إلى الجبل} فنظر بصفته لكونه مكلفا والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان مفعولا به بدليل {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا} . <فائدة> قال ابن دريد عن أبي حاتم: إن أبا مليك أحد فرسان بني يربوع لما قتل بنو بكر بنيه وأخبر بذلك فلم يشك ولم يظهر عليه جزع بالكلية فلما رآهما بعينه ألقى نفسه عليهما وقد أيقن قبل ذلك أنهما قتلا فلم يشك عند الخبر بل غلبه الجزع عند المعاينة
(حم طس ك عن ابن عباس) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان

الصفحة 357