كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 5)

7592 - (ليس) وفي رواية ما (أحد أصبر) من الصبر وأصله حبس النفس على ما تكرهه وهو في صفة الباري تأخير العذاب عن مستحقه فالمراد من أفعل نفي ذات المفضل عليه وإذا انتفت ذاته انتفت المساواة والنقص بالأولى (على أذى) مصدر أذى يؤذي يعني المؤذي أي كلام مؤذ (يسمعه من الله) أي ليس أحد أشد صبرا من الله بإرسال العذاب إلى مستحقه وهم الكفار على القول القبيح الآتي وفيه إيماء إلى أن الصبر على تحمل الأذى محمود وترك الانتقام ممدوح ولهذا كان جزاء الصبر غير محصور إذ الصبر والحلم في الأمور هو التخلق بأخلاق مالك أزمة الأمور وبالصبر يفتح كل باب مغلوق ويسهل كل صعب مرتج وهنا سر بديع وهو أن من تعلق بصفة من صفاته تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه فهو الصبور أوحى الله إلى داود تخلق بأخلاقي ومن أخلاقي أنى أنا الصبور ثم بين الأذى المسموع بقوله (إنهم ليدعون له ولدا ويجعلون له أندادا) ولو نسب ذلك إلى ملك من أحقر ملوك الدنيا لاستنكف وامتلأ غضبا وأهلك قائله فسبحانه ما أحلمه وما أرحمه {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} (وهو مع ذلك) يحبس عقوبته عنهم ولا يعاجلهم بل (يعافيهم) أي يدفع عنهم المكاره والمعافاة دفع المكروه (ويرزقهم) فهو أصبر على الأذى من الخلق فإنهم يؤذون بما هو فيهم وهو يؤذى بما ليس فيه وهم إن صبروا صبروا تكلفا وضعفا وصبره حلم ولطف وفيه إبانة عن كرم الله وصفحه وفضله في تأخير معاجلة العذاب وإدرار الرزق على مؤذيه فهذا كرمه في معاملة أعدائه فما ظنك بمعاملة أصفيائه وفيه حث على تحمل الأذى فيما يؤلم العبد ليجازى غدا جزاء الصابرين {إن رحمة الله قريب من المحسنين}
(ق عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس رواه عنه النسائي في التفسير
7593 - (ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا بد من معاشرته) من نحو زوجة وأمة وأهل وفرع وخادم وصديق ورفيق وجار وأجير ومعامل وخليط وشريك وصهر وقريب ونحو ذلك (حتى) أي إلى أن (يجعل الله له من ذلك مخرجا) يشير إلى أن التباين في الناس غالب واختلافهم في الشيم ظاهر ومن رام عيالا أو إخوانا تتفق أحوالهم جميعهم فقد رام أمرا متعذرا بل لو اتفقوا لربما وقع بينهم خلل في نظامه إذ ليس واحد من هؤلاء يمكن الاستعانة به في كل الأحوال ولا المجبولون على الخلق الواحد يمكن أن يتصرفوا في جميع الأعمال وإنما بالاختلاف يكون الائتلاف والإخوان ثلاث طبقات طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبدا وفي الحديث أعظم حث على المداراة وحسن الصحبة وقد تطابقت على ذلك الملل والنحل وتواصوا به حتى من أنكروا -[364]- المعاد وحشر الأجساد قال الأصمعي: لما حضرت جدي الوفاة جمع بنيه فقال: عاشروا معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم أوحى الله إلى داود ما لي أراك خاليا قال: هجرت الناس فيك يا رب قال: ألا أدلك على ما تستثني به وجوه الناس إليك وتبلغ به رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم واحتجر الإيمان بيني وبينك وفي العوارف لا يستدل على قوة العقل والحلم بمثل حسن المداراة
(هب) وكذا الحاكم وعنه ومن طريقه خرجه البيهقي مصرحا فلو عزاه للأصل كان أحق (عن أبي فاطمة الإيادي) بكسر الهمزة وفتح المثناة تحت ودال مهملة نسبة إلى إياد نزار بن معد بن عدنان ثم قال الحاكم: لم نكتبه عنه إلا بهذا الإسناد وإنما نعرفه عن محمد بن الحنفية من قول الحاتم اه. وقال ابن حجر: المعروف موقوف وقال العلائي: هذا إنما هو من كلام ابن الحنفية

الصفحة 363