كتاب فيض القدير (اسم الجزء: 5)

7974 - (ما لقي الشيطان عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه) لأنه لما قهر شهوته وأمات لذته خاف منه الشيطان وفي التوراة من غلب شهوات الدنيا فرق الشيطان من ظله ومثل عمر كإنسان ذي سلطان وهيبة استقبله مريب رفع عنه أمور شنيعة وعرفه بالعداوة فانظر ماذا يحل بقلب المريب إذا لقيه فإن ذهبت رجلاه أو خر لوجهه فغير مستنكر قال البيضاوي: وفيه تنبيه على صلابته في الدين واستمراره على الجد الصرف والحق المحض وقال النووي: هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يفر منه إذا رآه وقال عياض: يحتمل أن يكون على سبيل ضرب المثل وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان. قال القرطبي: وبقاؤه على ظاهره أظهر قال: والمراد بالشيطان الجنس
(ابن عساكر) في تاريخه (عن حفصة) بنت عمر قال الحافظ العراقي: وهو متفق عليه بلفظ يا ابن الخطاب ما لقيك الشيطان سالكا فجا - الحديث
7975 - (ما لي أراكم عزين) بتخفيف الزاي مكسورة متحلقين حلقة حلقة جماعة جماعة جمع عزة وهي الجماعة المتفرقة والهاء عوض عن الياء أي ما لي أراكم أشتاتا متفرقين. قال الطيبي: هذا إنكار منه على رؤية أصحابه متفرقين أشتاتا والمقصود الإنكار عليهم كائنين على تلك الحالة يعني لا ينبغي أن تتفرقوا ولا تكونوا مجتمعين بعد توصبتي إياكم بذلك كيف وقد قال الله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} ولو قال ما لكم متفرقون لم يفد المبالغة ونظيره قوله تعالى حكاية عن سليمان {ما لي لا أرى الهدهد} أنكر على نفسه عدم رؤيته إنكارا بليغا على معنى أنه لا يراه وهو حاضر وهذا قاله وقد خرج على أصحابه فرآهم حلقا فذكره ثم قال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصف الأول فالأول ويتراصون في الصفوف وهذا لا ينافيه أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يجلس في المسجد وأصحابه محدقون كالمتحلقين لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنه لسماع العلم والتعلم منه
(حم م د) كلهم في الصلاة (عن جابر بن سمرة) قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرأيناه حلقا فذكره ورواه عنه أيضا النسائي وابن ماجه خلافا لما يوهمه صنيع المصنف من تفرد ذينك به على الستة
7976 - (ما لي وللدنيا) أي ليس لي ألفة ومحبة معها ولا أنها معي حتى أرغب فيها أو ألفة وصحبة لي مع الدنيا؟ وهذا قاله لما قيل له ألا نبسط لك فراشا لينا ونعمل لك ثوبا حسنا؟ قال الطيبي: واللام في الدنيا مقحمة للتأكيد إن كانت الواو بمعنى مع وإن كانت للعطف فتقديره ما لي وللدنيا معي (ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) أي ليس حالي معها إلا كحال راكب مستظل قال الطيبي: وهذا تشبيه تمثيلي ووجه الشبه سرعة الرحيل وقلة المكث ومن ثم خص الراكب. ومقصوده أن الدنيا زينت للعيون والنفوس فأخذت بهما استحسانا ومحبة ولو باشر القلب معرفة حقيقتها ومعتبرها لأبغضها ولما آثرها على الآجل الدائم قال عيسى عليه الصلاة والسلام: يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟ قالوا: يا روح الله ومن يقدر؟ قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرازا وقال الحكيم: جعل الله الدنيا ممرا والآخرة مقرا والروح عارية والرزق بلغة والمعاش حجة والسعي خيرا ودعا من دار -[465]- الآفات إلى دار السلام ومن السجن إلى البستان وذلك حال كل إنسان لكن للنفس أخلاق دنية ردية تعمى عن كونها دار ممر وتلهى عن تذكر كون الآخرة دار مقر ولا يبصر ذلك إلا من اطمأنت نفسه وماتت شهوته واستنار قلبه بنور اليقين فلذلك شهد المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الحال في نفسه ولم يضفها لغيره وإن كان سكان الدنيا جميعا كذلك لعماهم عما هنالك وهذا لما مر بقوم يعالجون خصا قال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك
(حم ت هـ ك) في الرقائق (والضياء) المقدسي (عن ابن مسعود) قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم على حصير قد أثر في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك قلت: كسرى وقيصر على الخز والديباج وأنت نائم على هذا الحصير فذكره قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير هلال بن حبان وهو ثقة وقال الحاكم: على شرط البخاري وأقره الذهبي

الصفحة 464