كتاب الفقيه والمتفقه - الخطيب البغدادي (اسم الجزء: 2)

بَابُ: ذِكْرِ مِقْدَارِ مَا يَحْفَظُهُ الْمُتَفَقِّهُ اعْلَمْ أَنَّ الْقَلْبَ جَارِحَةٌ مِنَ الْجَوَارِحِ , تَحْتَمِلُ أَشْيَاءَ , وَتَعْجِزُ عَنْ أَشْيَاءَ , كَالْجِسْمِ الَّذِي يَحْتَمِلُ بَعْضَ النَّاسِ أَنْ يَحْمِلَ مِائَتَيْ رِطْلٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ عِشْرِينَ رِطْلًا , وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي فَرَاسِخَ فِي يَوْمٍ , لَا يُعْجِزُهُ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي بَعْضَ مِيلٍ , فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ أَرْطَالًا , وَمِنْهُمْ مَنْ يُتْخِمُهُ الرَّطْلُ فَمَا دُونَهُ , فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْفَظُ عَشْرَ وَرَقَاتٍ فِي سَاعَةٍ , وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحْفَظُ نِصْفَ صَفْحَةٍ فِي أَيَّامٍ , فَإِذَا ذَهَبَ الَّذِي مِقْدَارُ حِفْظِهِ نِصْفُ صَفْحَةٍ يَرُومٌ أَنْ يَحْفَظَ عَشْرَ وَرَقَاتٍ تَشَبُّهًا بِغَيْرِهِ لَحِقَهُ الْمَلَلُ , وَأَدْرَكَهُ الضَّجَرُ , وَنَسِيَ مَا حَفِظَ , وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا سَمِعَ فَلْيَقْتَصِرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مِقْدَارٍ يَبْقَى فِيهِ مَا لَا يَسْتَفْرِغُ كُلَّ نَشَاطِهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ أعونُ لَهُ عَلَى التَّعَلُّمِ مِنَ الذِّهْنِ الْجَيِّدِ وَالْمُعَلِّمُ الْحَاذِقُ
أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ , قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ , حَدَّثَكُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَبَّانِيُّ , نَا أَبُو الْأَشْعَثِ , نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ , نَا حُمَيْدٌ , قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَوْمِهِ , فَقَالَ: " كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا ⦗٢١٦⦘ وَيُفْطِرَ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا , وَمَا كُنَّا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ , وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ " قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ تَنَافُرًا كَتَنَافُرِ الْوَحْشِ , فَأْلَفُوهَا بِالِاقْتِصَادِ فِي التَّعْلِيمِ , وَالتَّوَسُّطِ فِي التَّقْوِيمِ , لِتَحْسُنَ طَاعَتُهَا , وَيَدُومَ نَشَاطُهَا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْرِجَ نَفْسَهُ فِيمَا يَسْتَفْرِغُ مَجْهُودَهُ , وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمَ فِي يَوْمٍ ضِعْفَ مَا يَحْتَمِلُ أَضَرَّ بِهِ فِي الْعَاقِبَةِ , لِأَنَّهُ إِذَا تَعَلَّمَ الْكَثِيرَ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ , وَإِنْ تَهَيَّأَ لَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ أَنْ يَضْبِطَهُ , وَظَنَّ أَنَّهُ يَحْفَظُهُ , فَإِنَّهُ إِذَا عَادَ مِنْ غَدٍ وَتَعَلَّمَ نَسِيَ مَا كَانَ تَعَلَّمَهُ أَوَّلًا , وَثَقُلَتْ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ , وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ حَمَلَ فِي يَوْمِهِ مَا لَا يُطِيقُهُ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي جِسْمِهِ ثُمَّ عَادَ مِنْ غَدٍ , فَحَمَلَ مَا يُطِيقُهُ فَأَثَّرَ ذَلِكَ فِي جِسْمِهِ , وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ , وَيُصِيبُهُ الْمَرَضُ وَهُوَ لَا يُشْعِرُ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ: أَنَّ الرَّجُلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فِي يَوْمِهِ مِمَّا يَزِيدُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهِ , فَيَعْقُبُهُ ذَلِكَ ضَعْفًا فِي مَعِدَتِهِ , فَإِذَا أَكَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْرَ مَا كَانَ يَأْكُلُهُ أَعْقَبَهُ لِبَاقِي الطَّعَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَعِدَتِهِ تُخْمَةً ⦗٢١٧⦘ فَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِ أَنْ يُشْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَحْمِيلِهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا , وَيَقْتَصِرَ مِنَ التَّعْلِيمِ عَلَى مَا يُبْقِي عَلَيْهِ حِفْظُهُ , وَيَثْبُتُ فِي قَلْبِهِ

الصفحة 215