كتاب فتح الباري لابن رجب (اسم الجزء: 1)

لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال: " إن كنت مادحا لا محالة فقل: أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا " (¬1) ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في " المسند " عن أنس مرفوعا: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (¬2) .
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو صفة مدح، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره، فأما حديث: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ": فقد خرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعا (¬3) . وقال أحمد: هو حديث منكر، ودراج له مناكير (¬4) ، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان.
¬_________
(¬1) البخاري (فتح: 2662) .
(¬2) " المسند " (3 / 134) ، من طريق علي بن مسعدة، عن قتادة، عن أنس، وعلي فيه توثيق وقال البخاري في " التاريخ ": " فيه نظر ". وليس من أصحاب قتادة، وقتادة مدلس، وقد عنعن.
(¬3) . " المسند " (3 / 68، 76) ، والترمذي (3093) ، وابن ماجه (802) وابن عدي في " الكامل " (3/ 114) . وأحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها ضعف. قاله أحمد.
(¬4) " العلل ومعرفة الرجال " (3 / 116) ولدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غرائب، انظر بعضها في " أطراف الغرائب " 0 4881 - 4883) بتحقيقنا، و" الكامل " لابن عدي (3 / 113) وإنكار الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – لهذا الحديث مع إخراجه له في " المسند " يدل على أن مجرد إخراج الحديث في مصنف لم يشترط صاحبه الصحة لا يعني رضى الإمام عنه.

الصفحة 132

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text