كتاب فتح الباري لابن رجب (اسم الجزء: 1)

ومن هنا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (¬1) ، لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي.
سئل وهيب بن الورد: هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله؟ قال: لا، ولا من هم بالمعصية. وقال ذو النون: كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب. فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث (184 - أ /ف) فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه:
أحدها: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته، وكمال معرفته: تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة والتفكير في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب، فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته.
وتارة ينشأ (¬2) من مطالعة النعم، وفي حديث ابن عباس المرفوع: " أحبوا الله لما يغدوكم (¬3) من نعمه وأحبوني لحب الله ". خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه (¬4) . وقال بعض السلف: من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه فإن
¬_________
(¬1) ر البخاري (فتح: 2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة. وسبق (ص 45) .
(¬2) كذا في " ف " ولعل الصواب " تنشأ " بالمثناة الفوقية.
(¬3) كذا في الترمذي، وفي " التحفة " و" العارضة ": يغدوكم " بالذال المعجمة.
(¬4) الترمذي (3789) ، وانظر " التحفة " (5 /148) .

الصفحة 51