كتاب فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (اسم الجزء: 2)

ولقد أحسنَ ابنُ دقيقِ العيد، بقولِهِ: ((أعراضُ المسلمينَ (¬1) حفرةٌ من حُفَرِ النارِ، وقف على شفيرِها طائفتانِ مِنَ النَّاسِ: المُحَدِّثونَ، والحُكَّامُ)) (¬2).
(وَمَعَ ذَا) أي: كونِ الجَرْح خطراً فلابدَّ مِنْهُ، (فَالنُّصْحُ) في الدينِ (حقٌ) واجبٌ، وذلِكَ لحفظِ الحقوقِ مِن الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ وسائرِ الحقوقِ، ولكون ذَلِكَ نصيحةً لا يعدُّ غيبَةً.
نعم: لا يجوزُ التجريحُ بشيئينِ إذا حصلَ الغرضُ بواحدٍ (¬3).
(وَلَقدْ أَحْسنَ) الإمامُ (يَحْيَى) بنُ سعيدٍ القطانُ (في جوابِهِ)، لأبي بكرِ بنِ خَلاّدٍ حين قَالَ لهُ: أما تخشى أنْ يكونَ هؤلاءِ الذين تركْتَ حديثَهُم خصماءَ ك عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ (وَسَدْ) - بفتح أولهِ - أي: وُفِّقَ للسدادِ، وَهُوَ الصوابُ، والقصدُ من القولِ والعملِ، بقوله: (لأن يكونوا خصماءَ لي، أحبْ) إليَّ (مِن كونِ خصمِي المصطفى) - صلى الله عليه وسلم -، (إذ لَمْ أَذُبْ) - بمعجمةٍ مضمومةٍ - أي: أمنعَ الكذبَ عَن حديثِهِ (¬4).
ثُمَّ مِنَ المتَصدّينَ لِذَلِكَ، مَنْ يشدِّدُ في التجريحِ، ومِنْهم مَنْ يتسمَّحُ فيهِ، ومنهم من يعتدِلُ فيه (و) مع ذلك (رُبَّما رُدَّ كَلامُ الجارحِ) مع جلالتِهِ وأمانتِهِ لتحامُلِهِ، (كَالنَّسَئِيْ) - بالإسكان لما مر - (في) تجريحِهِ لأبي جعفرٍ (أحمدَ بنِ صالحِ) الْمِصْريِّ، بقولِهِ: ((لَيْسَ بثقةٍ، ولا مأمونٍ. قال ابنُ معينٍ: إنه كذابٌ يتفَلْسَفُ)) (¬5).
فإنَّهُ كَمَا قَالَ أبو يَعلى الخَلِيْليُّ: ((مِمَّنِ اتفقَ الحفَّاظُ على أنَّ كلامَ النَّسائيِّ فيهِ تحامُلٌ)). قَالَ: ((ولا يقدحُ كلامُ أمثالِهِ فيِهِ)) (¬6). وَقَالَ الذهبيُّ: ((إنه آذى نفسَهُ بكلامِهِ فيه)) (¬7).
¬__________
(¬1) في (م): ((المسلم)).
(¬2) الاقتراح: 344.
(¬3) انظر: الرفع والتكميل: 56 فما بعدها.
(¬4) أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل 1/ 186، والخطيب في الكفاية (90 ت، 44 هـ‍).
(¬5) الضعفاء والمتروكون للنسائي (69)، وفيه: ((ليس بثقة)).
(¬6) الإرشاد 1/ 424.
(¬7) الميزان 1/ 103 الترجمة (406).

الصفحة 321