كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 2)

لحماد بن زيد، مما يصعب معه القول بتخطئة بعضهم؛ لكن إذا نظرنا إلى رواية الحديث المطولة عند البيهقي مثلًا من رواية مسدد وأبي الربيع الزهراني نجدها تقول: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال: "الأذنان من الرأس"، وكان يمسح الماقين.
فيظهر لنا ببادئ النظر، أن قوله: وقال: "الأذنان من الرأس": إنما هو من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هو متخلل لفعله - صلى الله عليه وسلم - في صفة الوضوء، وعلى هذا المعنى الظاهر حمله هؤلاء الثقات الستة الذين صرحوا برفعه لما اختصروا الحديث، واقتصروا منه على القول دون الفعل.
إلا أن هذا النظر ليس له حظ من الصحة، ذلك أن حماد بن زيد كان في الغالب يرويه هكذا بهذا اللفظ المحتمل، ففهم منه هؤلاء الثقات أنه مرفوع، إلا أن بعض الرواة الذين حدثهم حماد بهذا الحديث قد صرح لهم بأنه يشك في رفع هذه الجملة، ثم جاء سليمان بن حرب ليجزم بوقفها على أبي أمامة ويرفع هذا الشك، ويبين أن هذه الجملة القولية التي تخللت صفة الوضوء الفعلية: إنما هي من قول أبي أمامة.
قال الدارقطني بعد رواية الزيادي المرفوعة: "شهر بن حوشب: ليس بالقوي، وقد وقفه سليمان بن حرب عن حماد، وهو ثقة ثبت".
ثم أسند الحديث من رواية الهيثم بن جميل والمعلى وأبي عمر وابن أبي بكر، ثم قال: "أسنده هؤلاء عن حماد، وخالفهم سليمان بن حرب، وهو ثقة حافظ.
حدثنا عبد الله بن جعفر بن خشيش: نا يوسف بن موسى القطان: ثنا سليمان بن حرب: نا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة: أنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كان إذا توضأ مسح ماقيه بالماء، قال: فقال أبو أمامة: الأذنان من الرأس.
قال سليمان بن حرب: الأذنان من الرأس: إنما هو قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا فقد بدَّل -أو كلمة قالها سليمان- أي: أخطأ.
خالفه حماد بن سلمة، رواه عن سنان بن ربيعة، عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ غسل ماقيه بإصبعيه، ولم يذكر الأذنين". اهـ كلام الدارقطني.
وقال في العلل (١٢/ ٢٦٣/ ٢٦٩٥): "وقال سليمان بن حرب في هذا الحديث عن حماد بن زيد: إن قوله: والأذنان من الرأس: هو من قول أبي أمامة، غير مرفوع. وهو: الصواب".
وقول سليمان بن حرب هذا يزيل اللبس والإشكال، حتى لا يقال بأن حماد بن زيد كان من شأنه وقف المرفوع، لا سيما لو قال: "قال: قال"، كما أخبر بذلك موسى بن هارون، ومما يجعل النفس تطمئن أكثر لكون الموقوف هو المحفوظ، أن موسى بن هارون نفسه لما سئل عن هذا الحديث قال: "ليس بشيء، فيه شهر بن حوشب، وشهر: ضعيف، والحديث في رفعه شك"، فلم يُعمل فيه هذه القاعدة التي ذكرها في شأن حماد بن زيد.

الصفحة 85