كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 6)

كذا وكذا، فجعلت لا أسمع شيئًا من ذلك إلا حفظتُه، كأنما يُغرَى في صدري بغراء، حتى جمعت فيه قرآنًا كثيرًا، قال: وكانت العرب تَلَوَّمُ [أي: تنتظر] بإسلامها الفتحَ، يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق، وهو نبي، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حِوائِنا ذلك، وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقيم، قال: ثم أقبل فلما دنا منا تلقيناه، فلما رأيناه، قال: جئتكم والله من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقًّا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا وكذا، وينهاكم عن كذا وكذا، وأن تصلوا صلاة كذا، في حين كذا، وصلاة كذا، في حين كذا، "وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمَّكم أكثركم قرآنًا"، قال: فنظر أهل حِوائِنا فما وجدوا أحدًا أكثر قرآنًا مني؛ للذي كنت أحفظه من الركبان، قال: فقدموني بين أيديهم، فكنت أصلي بهم وأنا ابن ست سنين، قال: وكان عليَّ بردةٌ كنت إذا سجدت تقلَّصَت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم! قال: فكسوني قميصًا من معقد البحرين، قال: فما فرحت بشيء أشد من فرحي بذلك القميص. ولفظ سليمان بن حرب عن حماد [عند البخاري والنسائي والدارقطني والحاكم وأبي نعيم والبيهقي] قريب منه، إلا أنه قال في أوله: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: [هو حيٌّ] ألا تلقاه فتسأله! قال: فلقِيتُه فسألته، فقال: كنا بماءٍ ممرَّ الناس ... [قال الحميدي في تفسير الغريب (٤٥٣): "يُغرى في صدري، أي: يُلصق بالغراء، وهو صمغ"، وانظر: مشارق الأنوار (٢/ ١٣٣)، النهاية (٣/ ٣٦٤)] [وقال الخطابي: "والحِواء: بيوت مجتمعة على ماء". غريب الحديث (١/ ٤٠٣)، النهاية (١/ ٤٦٥)].
ولفظ ابن علية: عن أيوب، عن عمرو بن سلمة، قال: كنا على حاضرٍ، فكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأدنو منهم فأستمع، حتى حفِظت قرآنًا كثيرًا، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتحَ مكة، فلما فُتحت جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وافد بني فلان، وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه، فلما رجع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قدِّموا أكثركم قرآنًا"، قال: فنظروا -وأنا لعلى حِواء عظيم - فما وجدوا فيهم أحدًا أكثر قرآنًا مني، فقدَّموني وأنا غلامٌ، فصليت بهم، وعليَّ بردةٌ، وكنتُ إذا ركعتُ أو سجدتُ قَلَصَتْ فتبدو عورتي، فلما صلينا، تقول عجوزٌ لنا دَهْرِيَّةٌ: غطُّوا عنا إست قارئكم، قال: فقطعوا لي قميصًا، فذكر أنه فرِح به فرحًا شديدًا [الحاضر: القوم النزول على ماءٍ، يقيمون به، ولا يرحلون عنه. معالم السنن (١/ ١٤٦)، النهاية (١/ ٣٩٩)، لسان العرب (٤/ ١٩٩)].
ورواية حاتم بن وردان بنحو رواية حماد بن زيد وابن علية، وأتى فيه بألفاظ محتملة، وأوله: كنا ثِنْي طريق المدينة، فكان يمر بنا القوم والركب، فتدركهم الصلاة، فيُصَلُّون عندنا، وإني حفظت سورًا من القرآن، ولم أُسلم، فلما فُتحت مكة بعثت العرب بإسلامها، ... وساق الحديث.

الصفحة 530