كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 6)
مكة، فلم تكن في بدء الإسلام، بل بعد أن انتشر ودخل الناس في دين الله أفواجًا، واستقرت أحكامه، وأصبحت معلومة عند عامة المسلمين، وما كان ليأخذ عمرو بن سلمة القرآن ممن كان يمر بهم من الركبان دون أن يعي منهم شيئًا من أحكامه، كما أن قومه لما وفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - تعلموا منه أحكام الإسلام، ومنها ما يتعلق بالصلاة والإمامة، ولما رجعوا وقدموا عَمرًا لكثرة جمعه للقرآن استدلالًا منهم بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدِّموا أكثركم قرآنًا": علَّموه كيفية الصلاة، والركوع والسجود، وما كان ليقع منهم ذلك إلا لما وجدوا فيه من النباهة والقدرة على إقامة صلاتهم، وإلا لكانوا مستهزئين بهذه الشعيرة من شعائر الإسلام إذا قدموا بين أيديهم صبيًّا صغيرًا لا يعقل ما يقول ولا يدرك ماذا يفعل، وإنما قدموه لما علموا أنه أولاهم بالإمامة لجمعه القرآن وعقله للصلاة وأحكامها، وأما بُدُوُّ عورته عند الركوع والسجود فقد كان يقع هذا من بعض فقراء الصحابة الذين كانوا يصلون خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي حديث سهل بن سعد قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أُزُرِهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأُزُر خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعْنَ رؤوسكن حتى يرفعَ الرجالُ. وفي رواية: قال: كان رجال يصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاقدين أُزُرَهم كهيئة الصبيان، فقيل للنساء: لا ترفعْنَ رؤوسكن حتى يستويَ الرجالُ جلوسًا. وهو حديث متفق عليه [أخرجه البخاري (٣٦٢ و ٨١٤ و ١٢١٥)، ومسلم (٤٤١)، وسيأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (٦٣٠)، إن شاء الله تعالى]، ثم إن بني جرم لم يستمروا على ذلك، ولم يُقروه على أن يصلي بهم مع انكشاف عورته، بل أنكرت امرأة منهم ذلك، حتى كسوه قميصًا يستره، وعليه فدعوى النسخ لا دليل عليها، والله أعلم.
• وأما ما رُوي في معارضة ذلك عن ابن عباس فلا يصح:
فقد روى حجاج بن أرطأة [ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمجهولين]، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي [كذاب]:
عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم.
أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٨٧/ ١٨٧٢) و (٢/ ٣٩٨/ ٣٨٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٥٢/ ١٩٣٧)، والبيهقي في السنن (٣/ ٢٢٥)، وفي المعرفة (٢/ ٥٠٩/ ١٧٦٩).
قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠٣ - مختصره): "وهو ضعيف سواء كان موقوفًا أو مرفوعًا".
قلت: وهو كما قال، فهو حديث منكر؛ داود بن الحصين: أحاديثه عن عكرمة مناكير [التهذيب (١/ ٥٦١)]، ولم يرو عنه هذا الحديث ثقة.
• وقد ذهب الطحاوي في المشكل (١٠/ ١٢١)، وابن حزم في المحلى (٤/ ٢١٨) إلى أن حديث عمرو بن سلمة وإمامته لقومه وهو صبي لم يبلغ الحُلُم: ليس بحجة في إمامة الصبي للبالغين، بدعوى عدم اطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك [كما قال ذلك ابن قدامة في المغني، كما تقدم نقله]، ومن ثم عدم إقراره - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك بأن الصبي غير مكلف ولا