كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 6)

مأمور بتلك الصلاة التي أُمر بها المكلف؛ فإذا ائتم به والحال هذه بطلت صلاته.
قال الطحاوي: "إن ذلك الفعل من تقديم ذلك الصبي والائتمام به لم يكن بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك بعينه، وإنما كان من فعل الذين قدموه مما قد دخل على قلة علمهم بأحكام الصلاة ائتمامهم بمكشوف العورة فيها، وذلك مما تمنع منه الشريعة، وليس لأنه كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون حجة إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقف عليه فيمضيه".
وقال ابن حزم: "ولو علمنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف هذا وأقرَّه لقلنا به، ... ، ومن ائتمَّ بمن لم يُؤمر أن يؤتم به وهو عالم بحاله فصلاته باطل".
وقد أجيب عن ذلك بأن زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحدٍ من الصحابةِ التقريرُ على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل، وأيضًا فالوفد الذين قدَّموا عمرو بن سلِمة كانوا جماعة من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يُعلم لهم في ذلك مخالف منهم.
قال ابن حجر في الفتح (٨/ ٢٣): "ولم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك؛ لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبو سعيد وجابر لجواز العزل بكونهم فعلوه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان منهيًّا عنه لنهي عنه في القرآن" [وانظر أيضًا: الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٥)].
وأما ما احتج به ابن حزم على عدم الصحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤمهم أقرؤهم، قال: فعلى هذا إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر، والصبي ليس بمأمور؛ لأن القلم رفع عنه فلا يؤم، فهذا لا يخفى فساده؛ لأن المأمورَ مَن يتوجه إليه الأمرُ من البالغين بأن يقدموا من اتصف بكونه أكثر قرآنًا، وقد فعلوا ذلك، فبطل ما احتج به.
وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضًا: الحسن البصري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وكرهها: عطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومجاهد، ومالك، والثوري، وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان، والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض [انظر: مصنف عبد الرزاق (٢/ ٣٩٨)، مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣٠٦)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٥١)، الفتح لابن رجب (٤/ ١٧١)، الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٥)].
وسيأتي في آخر البحث ذكر كلام الأئمة في هذا المعنى، وأقوالهم في بيان جواز إمامة الصبي إذا عقل الصلاة، وأقامها.
***
٥٨٨ - قال أبو داود: حدثنا القعنبي: ثنا أنسٌ -يعني: ابنَ عياض-، ح، وثنا الهيثم بن خالد الجهني - المعنى -: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن

الصفحة 540