كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 8)
أبي وائل ... فذكره" [البدر المنير (٣/ ٣٨٩)] [وانظر: جامع التحصيل (٤١٣)، تحفة التحصيل (١٩٢)، التلخيص (١/ ٢٠٥/ ٣٠١)].
قلت: يقال: ثبت العرش ثم انقش، فإن هذه الرواية التي احتج بها المزي -وتبعه من تبعه-: رواية شاذة مردودة، وليست هي في صحيح مسلم، كما ادعى بعضهم، والمحفوظ: ما رواه ابن جحادة عن عبد الجبار [من رواية عفان عن همام عن ابن جحادة به، وهي التي أخرجها مسلم]، وتابعه: قيس بن سليم العنبري، وموسى بن عمير العنبري، رواه ثلاثتهم: عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر.
وقد سبق أن بينت أن رواية عبد الوارث هذه وهم من ابن جحادة، فلا يُعوَّل عليها، وليست هي في صحيح مسلم، إنما أخرجه مسلم من حديث عفان عن همام عن ابن جحادة، وليس فيه قول عبد الجبار: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، كما تقدم تفصيل القول في ذلك، وعلى هذا فلا يصلح ما ذكروه مستمسكًا في رد ما اتفق عليه أئمة الحديث؛ من الجزم بعدم سماع عبد الجبار بن وائل من أبيه، فإنهم إذا اتفقوا على شيء كان حجة، وكذا ما اتفق عليه ابن معين والبخاري والترمذي وابن حبان، بأن عبد الجبار ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، والله أعلم.
والمقصود أن هذا الحديث إنما هو حديث علقمة بن وائل، وعبد الجبار إنما يرويه بواسطة علقمة، ولا تصح هذه اللفظة في حديثه، وقد بيَّن الحفيد محمد بن حجر أن جده عبد الجبار قد ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، وأهل بيت الرجل أعلم بحاله، وبهذا أخذ الأئمة، واحتجوا به على عدم سماع عبد الجبار من أبيه، لا سيما مع ثبوت الواسطة بينه وبين أبيه، ولم تكن لتخفى عليهم رواية عبد الوارث عن ابن جحادة، والله أعلم.
• وحاصل ما تقدم: فإن علقمة بن وائل قد سمع من أبيه وائل بن حجر، وقد أثبت هذا السماع إمام الأئمة، وجبل الحفظ والإتقان، وإمام هذا الفن في زمانه بلا مدافع: الإمام البخاري، وتبعه على ذلك: الترمذي وابن حبان، ولا يُعارض هذا بنفي ابن معين له، فإن المثبِت مقدَّم على النافي، لما معه من زيادة علم، لا سيما إذا كان مشهورًا بالتثبت في هذه المسألة على وجه الخصوص، وهي مسألة ثبوت سماع الرواة من شيوخهم؛ فإذا انضم إلى هذا: احتجاج مسلم بما رواه علقمة عن أبيه، فإنه يزداد قوة؛ ومما يجعل النفس تقطع بصحة ما ذهب إليه الأئمة، وعدم صحة قول ابن معين: ما قد ثبت من طرق صحيحة من التصريح بسماع علقمة بن وائل من أبيه، انظر على سبيل المثال ما أخرجه: مسلم (١٦٨٠)، والبخاري في رفع اليدين (٢٨)، وأبو عوانة (٤/ ١٠٥/ ٦١٨٦)، وأبو داود (٤٤٩٩)، والنسائي (٢/ ١٩٤/ ١٠٥٥) و (٨/ ١٦ و ١٧/ ٤٧٢٨ و ٤٧٢٩)، والبيهقي (٨/ ٥٤).
إذا تبين هذا؛ فلم يعد لأحد حجة في إعلال ما رواه علقمة بن وائل عن أبيه، لمجرد عدم السماع، أو بدعوى الإرسال والانقطاع، بل هو إسناد صحيح متصل، على شرط مسلم، أخرج به مسلم عدة أحاديث [انظر: تحفة الأشراف (٨/ ٣٣١ - ٣٣٥ - ط دار الغرب)، والله أعلم.